حقبة “الصمت” المتآكلة والصرخة العابرة للقارات: كيف تحول “شعار البراءة” من كواليس الاستضعاف إلى خناق يطبق على عنق الأسطول الأمريكي؟

صنعاء سيتي | متابعات

 

مثّلت “الصرخة” في 17 يناير 2002 انبعاثاً للمشروع القرآني في زمن “الصمت المطبق”، معلنةً انتقال الأمة من حالة الاستكانة تحت وطأة “المستكبرين” إلى حالة الاستنهاض والعمل بهدى الله. لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تجسيداً عملياً لمبدأ “البراءة” كضرورة إيمانية لمواجهة “الطاغوت” العالمي الذي سعى لتجين الأمة وإخراجها من هويتها الإيمانية الأصيلة.

جاءت الصرخة لتعيد رسم خارطة الولاء والبراء، محولةً الموقف الثقافي إلى درع حصين يحمي المستضعفين من التضليل الاستعماري. ومن خلال هذا التحول الاستراتيجي، تأصلت الثقة بالله كركيزة أساسية في مواجهة القوى المادية الزائفة، مما مهد الطريق لبناء أمة تمتلك وعياً بصيراً وقوةً رادعةً تستمد ديمومتها من سنن النصر الإلهي والتحرك في سبيل الله.

الانبعاث من مشكاة القرآن في زمن التيه

شهد مطلع العام 2002 ذروة التمدد الاستخباري والعسكري الأمريكي في اليمن عقب أحداث 11 سبتمبر، حيث وثقت التقارير وصول أولى فرق “الكوماندوز” الأمريكي وقوات من “المارينز” إلى قاعدة العند الجوية ومطار صنعاء، بالتزامن مع توقيع اتفاقيات أمنية منحت واشنطن حق السيادة الكاملة في ملاحقة من تسميهم “إرهابيين”. في هذا التوقيت، أطلق السيد حسين بدر الدين الحوثي الشعار في مدرسة “الهادي” بمران، كإجراء وقائي يهدف إلى تحصين المجتمع من الاختراق الثقافي والأمني، مستنداً إلى معطيات ميدانية تشير إلى بدء التدخل الأمريكي في صياغة المناهج التعليمية والخطاب الديني الرسمي.

اعتمد الانبعاث الأول للصرخة على آلية “التحرك الشعبي الواعي” لمواجهة الهيمنة، حيث سجلت المحاضرات والدروس (الملازم) آنذاك تشخيصاً دقيقاً لمشاريع الاستعمار الحديث المتمثل في “الأمركة”. البيانات التوثيقية تشير إلى أن الشعار لم يكن فعلاً منفرداً، بل ترافق مع مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما وُثق كأول نشاط اقتصادي مقاوم يربط بين “الموقف العقائدي” و”الفعل المادي” في اليمن، محققاً استجابة سريعة في أوساط طلاب العلم في صعدة قبل أن ينتقل إلى العاصمة صنعاء.

من الناحية الهيكلية، تضمن الشعار خمس نقاط (الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام) كمصفوفة متكاملة لتحديد “بوصلة العداء” بدقة. التوثيق التاريخي يؤكد أن هذا الشعار أحدث أول “خروج عن النص” السياسي الذي كانت ترسمه السفارة الأمريكية في صنعاء، حيث كانت التقارير الدبلوماسية الأمريكية تصف الشعار منذ أيامه الأولى بأنه “نشاط معادٍ يهدد المصالح القومية للولايات المتحدة”، وهو ما يعطي مؤشراً إحصائياً على مدى فاعلية الموقف في إزعاج دوائر صنع القرار الخارجي.

استند الانطلاق إلى قاعدة إيمانية تربط بين “السيادة” و”القرآن”، حيث وثقت مدرسة “الهادي” أولى مجموعات المكبرين الذين تعرضوا للمضايقات الأمنية والاعتقالات في المساجد. هذا التوثيق يثبت أن الشعار ولد في بيئة “مواجهة” لا “تنظير”، حيث سجلت التقارير الحقوقية في تلك الفترة أولى قوائم المعتقلين على ذمة “ترديد الشعار” في الجامع الكبير بصنعاء، مما يؤكد أن الاستجابة الشعبية للمشروع القرآني كانت تتنامى ككتلة صلبة ترفض التبعية التي كان يشرعنها النظام القائم حينذاك.

معركة إطفاء نور الله والارتهان الأمريكي

تشير الوثائق والمراسلات الدبلوماسية المسربة إلى أن السفارة الأمريكية في صنعاء، ممثلة بالسفراء المتعاقبين، مارست ضغوطاً مباشرة وموثقة على رئاسة الجمهورية اليمنية لإخماد حركة “المكبرين”. السجلات التاريخية للعام 2004 تؤكد أن واشنطن قدمت دعماً لوجستياً وفنياً عبر “برامج مكافحة الإرهاب” لتمويل الحملات العسكرية ضد صعدة، معتبرة أن إسكات الصرخة ضرورة حيوية لضمان بقاء اليمن تحت الوصاية. وقد تُرجم هذا الضغط في قرار شن الحرب الأولى، التي اعتمدت في عقيدتها القتالية على تصفية “المنبع الثقافي” للصرخة من خلال استهداف مدرسة مران والمراكز التعليمية.

نفذ نظام “عفاش” الهالك سلسلة من الإجراءات القمعية الموثقة شملت فصل الموظفين، واعتقال الآلاف ممن رددوا الشعار في المساجد، ومنع توزيع “الملازم” الثقافية، في محاولة لعزل المشروع اجتماعياً. الشواهد الميدانية تؤكد أن السلطات حينها استخدمت كافة الوسائل الثقافية والاجتماعية (عبر علماء السلطة والوجاهات القبلية الموالية) لتشويه الشعار وتصويره كمشروع مستورد، إلا أن البيانات الإحصائية لانتشار الشعار أثبتت فشل هذه الحملات؛ إذ انتقل الشعار من جبال صعدة إلى السجون والمحافظات الأخرى، مكتسباً زخماً شعبياً كرد فعل على الاستهداف الأمريكي المباشر.

التوثيق العسكري للحروب الست (2004-2010) يكشف عن وجود إشراف مباشر من قبل خبراء عسكريين أمريكيين على مسرح العمليات، خاصة في استخدام القنابل العنقودية المحرمة دولياً التي استهدفت مناطق انتشار “المكبرين”. إن تزامن الغارات الجوية مع تصريحات المسؤولين في واشنطن حول “استقرار اليمن” يثبت أن المعركة كانت تهدف إلى حماية الهيمنة الأمريكية من صرخة “الموت لأمريكا”. هذه الوقائع الميدانية تبرهن على أن النظام السابق تحرك كأداة تنفيذية لمشروع استعماري، محاولاً “إطفاء نور الله” عبر تدمير الحاضنة الشعبية للصرخة، وهو ما قوبل بصمود أسطوري وثقته جبهات القتال في تلك المرحلة.

الثبات الإيماني وصناعة النصر الاستراتيجي

ارتبط الثبات الإيماني في مسيرة الصرخة بسلسلة من الأحداث المترابطة التي حولت “القلة المستضعفة” إلى قوة إقليمية ضاربة؛ بدأت باستشهاد السيد حسين بدر الدين الحوثي في الحرب الأولى، وما تلاه من صمود “جرف سلمان” الذي تحول إلى رمزية عقائدية ألهمت المقاتلين في الحروب اللاحقة. هذا الترابط تجلى في قدرة المجاهدين على مواجهة الترسانة العسكرية الحديثة بأسلحة تقليدية، مستندين إلى “ثقافة الاستشهاد” التي نمتها الصرخة، مما أدى إلى كسر موجات الزحف العسكري في جبال مطرة ونقعة، ووثقت هذه المرحلة أولى حالات الانهيار النفسي لجيش النظام أمام مقاتلين لا يملكون سوى بنادقهم وشعارهم، وهو ما مهد الطريق سياسياً لثورة 21 سبتمبر 2014 التي أسقطت الوصاية الأمريكية بالكامل.

امتد هذا الثبات ليصهر المجتمع في بوتقة واحدة خلال فترة العدوان (2015-2024)، حيث تحولت الصرخة من شعار ترفعه مجموعة محددة إلى “ثقافة شعب” واجهت حصاراً عالمياً وغارات جوية مكثفة ناهزت مئات الآلاف. البيانات الميدانية توثق تطوراً نوعياً في بنية القوات المسلحة اليمنية التي تربت على أدبيات الصرخة، حيث انتقلت من الدفاع عن صعدة إلى قصف “يافا” المحتلة وسفن “الاستكبار” في البحار الثلاثة. هذا الترابط بين “ثبات الفرد في المتراس” وبين “القرار الاستراتيجي للقيادة” في ضرب المصالح الأمريكية والصهيونية، يمثل وحدة عضوية أثبتت أن الصرخة لم تكن مجرد كلام، بل هي محرك بناء القوة الذاتية (الباليستية والمسيرة) التي غيرت قواعد الاشتباك الدولية، محققةً انتصاراً استراتيجياً جعل من اليمن رقماً صعباً في النظام العالمي الجديد.

الصرخة كمسار عملي نحو الفتح الموعود

تتحرك الصرخة اليوم كبرنامج عمل ميداني ضمن معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس”، حيث تشير البيانات العسكرية إلى تنفيذ أكثر من 190 عملية بحرية وقصف صاروخي استهدف عمق الكيان الصهيوني والسفن المرتبطة به منذ بدء طوفان الأقصى. التوثيق الميداني يثبت أن هذه العمليات هي “الترجمة الحركية” المباشرة لنقطة (الموت لإسرائيل) في الشعار، حيث تحولت اليمن إلى الدولة الوحيدة التي فرضت حصاراً بحرياً فعلياً على العدو الصهيوني نصرةً لغزة، محطمةً الأسطورة الأمنية التي بناها الاستكبار العالمي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

من الناحية السياسية والسيادية، نجحت الصرخة في طرد القوات الأمريكية (المارينز) التي كانت تتواجد داخل العاصمة صنعاء وفي القواعد العسكرية قبل عام 2014، وهو ما وُثق رسمياً كأكبر عملية “تحرر سيادي” في التاريخ اليمني المعاصر. المعطيات الحالية تؤكد أن اليمن، بفضل تمسكه بهذا المسار، أصبح القوة الإقليمية القادرة على مواجهة “تحالف الازدهار” الأمريكي-البريطاني، حيث سجلت تقارير البنتاغون عجزاً عسكرياً في حماية الملاحة الإسرائيلية أمام الهجمات اليمنية، مما يبرهن على أن الصرخة تحولت من “موقف دفاعي” إلى “فعل استراتيجي” يهدد مرتكزات الهيمنة الغربية في المنطقة.

على الصعيد القومي والإسلامي، أعادت الصرخة توجيه بوصلة الشعوب نحو القضية الفلسطينية كقضية مركزية، بعيداً عن سياسات التطبيع والارتهان. الشواهد البصرية في الساحات اليمنية المليونية، والزخم العسكري المرافق لها، يثبت أن المشروع القرآني قدم نموذجاً عملياً لكيفية استعادة كرامة الأمة. إن الربط التوثيقي بين “شعار الصرخة” وبين “إغلاق البحار” في وجه أعداء الله، يقدم دليلاً قطعياً على أن المسار يتجه نحو تحقيق وعد الله في الفتح والتمكين، واضعاً حداً لزمن الغطرسة الأمريكية والصهيونية في المنطقة.

سنن الغلبة وتهاوي عروش الاستكبار

تأتي ذكرى الصرخة سنوياً لتؤكد أن وعد الله للمؤمنين بالتمكين ليس مجرد أمل، بل هو حقيقة موضوعية تتجسد في صمود اليمنيين وتعاظم قوتهم. لقد تحول الشعار إلى “منظومة دفاعية وهجومية” شاملة، أعادت لليمن دوره الريادي كحارس لمقدسات الأمة ومدافع عن كرامتها. الاستنتاج التحليلي العميق يشير إلى أن زمن “الخوف والارتهان” قد ولى إلى غير رجعة، وأن الصرخة التي بدأت بصوت واحد، أصبحت اليوم زلزالاً يهدد عروش المستكبرين ويمهد الطريق لانتصار الإسلام وقيمه العدلية في أصقاع الأرض.

إن بقاء الصرخة وتمددها رغم كل المؤامرات هو الدليل القاطع على صدق المنطلق وعظمة المنهج. إنها مسيرة قرآنية لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل هي مشروع عالمي يستشرف مستقبلاً تخلو فيه المنطقة من “الرجس الصهيوني” والهيمنة الأمريكية، محققةً وعد الله: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا}.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.