بين سردية التخوين وإعادة تشكيل الوعي : كيف يُعاد توجيه البوصلة العربية لخدمة مشاريع التطبيع؟
صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي
في زمن تتداخل فيه الحروب الصلبة مع المعارك الناعمة، لم يعد الصراع في المنطقة يُحسم فقط في ميادين القتال، بل بات يُدار وبقوة في فضاءات الوعي والإعلام، هناك، حيث تُصاغ المفاهيم وتُعاد كتابة الأولويات، يجري اليوم صراع من نوع آخر، صراع على تعريف العدو، وعلى تحديد من يقف في صف الأمة ومن يُدفع خارجها، في هذا السياق، يبرز خطاب سياسي وإعلامي تتبناه بعض الأنظمة العربية، يقوم على ربط كل موقف رافض للسياسات الأمريكية بتهمة “الارتباط بإيران”، في إطار سردية يروج لها العدو الصهيوأمريكي نفسه كجزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل الوعي العربي بما يخدم مصالحه .
لطالما شكّلت القضية الفلسطينية بوصلة الصراع في الوجدان العربي، غير أن التحولات الأخيرة أفرزت خطابًا يسعى إلى إعادة ترتيب سلّم الأولويات، عبر تضخيم أخطار إقليمية أخرى وتقديمها كتهديد وجودي بديل، هذه العملية لا تتم بشكل عفوي، بل عبر حملات إعلامية مكثفة، تعمل على إعادة تعريف “العدو”، بحيث يتراجع الاحتلال الصهيوني من مركز الصورة، لصالح صراعات أخرى تُقدَّم باعتبارها أكثر إلحاحًا.
ضمن هذه الاستراتيجية، تبرز تهمة “العمالة لإيران” كأداة جاهزة لتقويض أي خطاب معارض للتطبيع أو الهيمنة الخارجية، فبدل من مناقشة جوهر المواقف، يتم اختزالها في إطار اتهامي يهدف إلى نزع شرعيتها، هذا الأسلوب يُنتج بيئة من الشك والتشكيك، ويُسهم في تفكيك أي حالة تضامن عربي، وضرب الثقة في الخطابات الرافضة للهيمنة، وخلق استقطاب حاد داخل المجتمعات.
حين يُعاد تعريف “العدو”، يصبح من الممكن إعادة تعريف “المصلحة”، وهنا، يبرز التطبيع مع العدو الإسرائيلي كخيار يتم تسويقه تحت عناوين الواقعية السياسية أو الضرورات الأمنية،
في هذا الإطار، يُقدَّم التقارب مع العدو الصهيوأمريكي كضمانة للاستقرار، بينما يُصوَّر أي موقف رافض لذلك كخروج عن الإجماع أو تهديد للأمن.
لا تقف هذه السردية عند حدود السياسة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي، فمن خلال الإعلام والتعليم، يتم ترسيخ مفاهيم جديدة، أن الصراع مع العدو الإسرائيلي لم يعد أولوية، وأن الخطر الحقيقي يأتي من أطراف أخرى، وأن الاستقرار يسبق أي اعتبار آخر، هذه العملية تمثل في جوهرها محاولة لإعادة هندسة الإنسان العربي بما يتوافق مع التحولات السياسية القائمة.
رغم وجود تعقيدات إقليمية حقيقية، فإن الإشكالية تكمن في توظيفها بشكل انتقائي، بحيث تُستخدم لتبرير تحولات كبرى في التحالفات، أو لتهميش قضايا مركزية، فالخلط بين نقد سياسات دول بعينها وبين شيطنة كل موقف معارض للعدو الإسرائيلي، يؤدي إلى حالة من الضبابية تُفقد المجتمعات قدرتها على التمييز.
في مقابل هذا المسار، تبرز مضامين الكلمة التي ألقاها السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، بمناسبة الذكرى السنوية للصرخة، والتي تقدم قراءة مختلفة لطبيعة ما يجري في المنطقة، وتشير الكلمة إلى أن بعض الأنظمة العربية، لا سيما في الخليج، اتجهت إلى تبني خطاب معادٍ لإيران، مع توظيف توصيفات جاهزة مثل “وكلاء إيران” ضد كل من يتبنى موقفًا رافضًا للسياسات الأمريكية والإسرائيلية،
وتذهب هذه الرؤية إلى أن هذا الخطاب لا يقتصر على الخلاف السياسي، بل يسهم في إعادة إنتاج سردية تُستخدم لتشويه أي حالة تقارب أو تعاون بين قوى عربية أو إسلامية في إطار دعم القضية الفلسطينية، كما تؤكد الكلمة على أن تشويه هذه الحالة من التعاون يخدم بالدرجة الأولى العدو المستفيد الأول من حالة الانقسام، في حين أن المطلوب، هو توحيد الموقف الإسلامي في مواجهة الطغيان الأمريكي والعدوان الإسرائيلي.
في المحصلة، يتضح أن الصراع الدائر اليوم يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، ليصل إلى عمق الوعي ذاته، فالسرديات التي تُبنى اليوم، ستحدد شكل الإدراك الجمعي للأجيال القادمة، وستؤثر على تعريفها للعدو، ولموقعها في هذا العالم، وبين خطاب يُعاد تشكيله لتبرير تحالفات جديدة، وآخر يسعى إلى تثبيت بوصلة الصراع، تبقى الحقيقة الأهم أن معركة الوعي لم تعد هامشية، بل أصبحت في صلب الصراع، وربما أكثر حسمًا من أي مواجهة عسكرية.
*نقلاً عن موقع يمانيون
التعليقات مغلقة.