من “ذرائع الشرعية” إلى “سقوط الأقنعة”.. اليمن يفتح ملف الحساب الأخير مع الهيمنة السعودية
صنعاء سيتي | تقرير خاص
لم تكن كلمات القوات المسلحة اليمنية في بيانها الأخير مجرد تحذير عسكري عابر؛ بل كانت إعلاناً رسمياً عن انتهاء زمن “الصبر الاستراتيجي” وبدء عصر “فرض المعادلات”.
ومع تصاعد حدة التوتر، يجد النظام السعودي نفسه اليوم أمام حقيقة واحدة: الأوراق التي راهن عليها لسنوات قد احترقت، والسيناريوهات التي رسمها لليمن باتت تطارده في عقر داره.
لقد تجاوزت المواجهة في اليمن سياق “النزاع التقليدي” لتصبح معركة وجودية ضد العقاب الجماعي. والتحذير المباشر من استهداف المنشآت الحيوية والحساسة في العمق السعودي ليس تهويراً، بل هو ترجمة لقاعدة “العين بالعين”، حيث لم يعد بمقدور الرياض أن تحاصر شعباً وتتوقع في المقابل أمنها واستقرارها.
إن بيان القوات المسلحة هو وثيقة إنهاء لعصر “الحرب من طرف واحد”، وإعلان دخول اليمن مرحلة “كسر الحصار” بكل ما تحمله هذه العبارة من تداعيات استراتيجية.
لقد انكشفت “اللعبة المكشوفة” التي حاول الإعلام السعودي تجميلها تحت شعار “استعادة الشرعية”. واليوم، يتساءل المراقبون: أي شرعية تلك التي تُبنى على تفتيت الجغرافيا؟
-
الجغرافيا في خطر: الأطماع السعودية لا تستهدف فقط القرار السياسي، بل تمتد لتضع اليد على الشريان المائي العالمي (باب المندب) وشريط ساحلي يمني يمتد لأكثر من 2500 كيلومتر.
-
الاحتلال المباشر: لم تعد سقطرى مجرد جزيرة، بل أصبحت رمزاً صارخاً لاحتلالٍ يتجاوز حدود “التحالف” إلى السيطرة العسكرية المباشرة على الموانئ والمطارات والجزر.
يرى محللون أن الرياض لم تكن يوماً صاحبة مشروع مستقل في اليمن، بل تحولت إلى “أداة تنفيذية” للسياسة الخارجية الأمريكية، مستخدمةً بترودولارها لتمويل الصراعات وتصفية الإرادات الوطنية.
ولكن، ثمة متغيرٌ لم يحسبه المخططون في الرياض: وعي المواطن اليمني.
هذا الوعي، المتجذر في إرث حضاري يرفض الضيم، أسقط كل الأقنعة. فلم يعد للوعود المالية، ولا للمشاريع “الإغاثية” المشبوهة، أي صدى في شارعٍ يمني يدرك أن عدوه الحقيقي ليس “الشرعية” بل “الوصاية” التي تُدار من خلف المحيطات وتُنفذ بأموال الجوار.
إن المرحلة القادمة، كما تشير المعطيات الميدانية، لن تكون كما قبلها. فاليمن، الذي صمد لأكثر من عقد في وجه ترسانات العالم، لم يعد يطلب “تسوية”، بل يفرض “سيادة”.
إن إعلان القوات المسلحة عن تغيير معادلات الاشتباك يضع النظام السعودي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بواقع يمني مستقل، أو مواجهة تداعيات استراتيجية قد تضع المنشآت الحيوية في مهب الريح.
في هذه اللحظة الحاسمة، يثبت اليمن أنه الرقم الصعب في المعادلة الإقليمية، وأن محاولات الهيمنة التي استنزفت مقدرات المنطقة قد بدأت رحلة النهاية.
لم تعد الرياض قادرة على الاختباء خلف ذرائع “التحالفات”، فالحقيقة باتت واضحة للعيان: الحرب التي بدأت بوعود “الحسم السريع” تنتهي اليوم بفرض “الحساب العسير”، واليمن الذي أرادوه حديقة خلفية، تحول إلى كابوسٍ يؤرق حسابات الهيمنة في المنطقة.
التعليقات مغلقة.