كسر الحصار الجوي.. كيف أعادت صنعاء رسم معادلات الصراع الاستراتيجية؟

صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي

 

شكّل بيان القوات المسلحة اليمنية المتضمن بدء الرحلات الجوية المدنية من وإلى صنعاء رغم القيود المفروضة على المجال الجوي ،  محطة مفصلية في مسار الصراع مع العدوان السعودي ، باعتبار أن ما جرى يتجاوز كونه حدثاً ميدانياً أو إجراءً لوجستياً مرتبطاً بالملاحة الجوية، ليتحول إلى تطور ذي أبعاد استراتيجية وسياسية واقتصادية وإعلامية واسعة التأثير،  فمنذ سنوات، مثّل الحصار الجوي أحد أبرز أدوات الضغط المستخدمة في الحرب اليمنية، وأصبح التحكم بحركة الطيران والمنافذ الجوية جزءاً من معادلة الصراع وأوراق النفوذ الإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق، فإن أي اختراق لهذه المعادلة يحمل في طياته رسائل تتجاوز البعد الإجرائي إلى إعادة صياغة موازين القوة وإعادة تعريف أدوات التأثير والردع.

البعد الاستراتيجي والسياسي

سياسياً، يعكس هذا التطور انتقال المشهد اليمني من مرحلة الدفاع عن البقاء إلى مرحلة السعي لفرض وقائع جديدة على الأرض وعلى طاولة التفاوض،  فإذا كان الحصار الجوي قد استُخدم طوال السنوات الماضية كوسيلة ضغط سياسية، فإن تجاوزه أو تقليص أثره يعني تراجع فاعلية إحدى أهم أوراق التأثير التي اعتمد عليها التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية خلال سنوات الحرب،  كما يحمل الحدث دلالة سياسية تتمثل في أن مستقبل اليمن ومنافذه الحيوية بات يرتبط بدرجة أكبر بالتفاهمات والوقائع التي تنتجها الأطراف اليمنية نفسها، وليس فقط بالترتيبات الإقليمية أو الدولية، وهو ما يمنح صنعاء هامشاً أوسع في إدارة الملفات السياسية والتفاوضية خلال المرحلة المقبلة،  ويُنظر إلى ذلك أيضاً باعتباره رسالة بأن سياسة الحصار والعزل لم تعد قادرة على تحقيق الأهداف السياسية ذاتها التي كانت مرجوة في السنوات الأولى من الحرب، الأمر الذي يدفع نحو البحث عن مقاربات مختلفة لمعالجة الأزمة اليمنية.

البعد العسكري والأمني

عسكرياً، يمثل نجاح أي حركة جوية منتظمة في ظل بيئة صراعية معقدة مؤشراً على تغير معادلات الردع والسيطرة الجوية التي حكمت المشهد لسنوات طويلة،  فالمجال الجوي لم يعد مجرد ساحة عمليات عسكرية، بل تحول إلى مساحة مرتبطة بحسابات الردع المتبادل وكلفة التصعيد واحتمالات التوسع الإقليمي للصراع،
وتشير القراءة الاستراتيجية إلى أن قدرة صنعاء على الحفاظ على استمرارية الحركة الجوية أو إعادة تنشيطها تعكس انتقال الصراع من مرحلة التفوق الأحادي في بعض المجالات العسكرية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على توازنات الردع وحسابات الكلفة والعائد،  كما أن ذلك يكرس فكرة أن الأدوات العسكرية التقليدية لم تعد وحدها قادرة على فرض الإرادة السياسية بصورة كاملة، وأن البيئة الاستراتيجية في المنطقة تشهد تحولات متسارعة في مفاهيم القوة والتأثير.

البعد الاقتصادي والإنساني

اقتصادياً، يُعد تخفيف القيود على النقل الجوي واحداً من أهم العوامل المؤثرة في تنشيط الحركة التجارية والإنسانية وربط اليمن بمحيطه الإقليمي والدولي،  فالمطارات ليست مجرد منشآت خدمية، بل تمثل شرايين اقتصادية ترتبط بحركة رجال الأعمال والمرضى والطلاب والمغتربين والمنظمات الإنسانية، إضافة إلى دورها في تسهيل انتقال الخبرات والاستثمارات.
ومن شأن استعادة جزء من النشاط الجوي أن ينعكس تدريجياً على حركة السوق المحلية وتقليل تكاليف السفر والنقل وتخفيف الأعباء عن آلاف الأسر اليمنية التي ظلت لسنوات مضطرة إلى السفر عبر مسارات طويلة ومعقدة ومكلفة، كما يحمل الحدث بعداً إنسانياً يتمثل في تسهيل وصول المرضى للعلاج في الخارج وعودة المسافرين والمغتربين، وهو ما يمنحه بعداً مجتمعياً يتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية المباشرة.

البعد الإعلامي والمعنوي

إعلامياً، يمثل كسر الحصار الجوي حدثاً ذا قيمة رمزية عالية، لأن المعارك الحديثة لا تُحسم فقط في الميدان، بل أيضاً في فضاء الصورة والرواية والتأثير المعنوي،  وفي هذا السياق، فإن أي طائرة تقلع أو تهبط في مطار صنعاء تتحول إلى رسالة إعلامية وسياسية بقدر ما هي وسيلة نقل مدنية، إذ تعكس صورة مختلفة عن تلك التي ارتبطت بسنوات الإغلاق والعزلة،  كما يمنح هذا التطور صنعاء مادة إعلامية قوية لتأكيد روايتها بشأن صمود مؤسسات الدولة واستمرار قدرتها على إدارة الملفات الحيوية رغم التحديات، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على المعنويات الداخلية وعلى صورة المشهد اليمني في الرأي العام الإقليمي والدولي.

التحولات الإقليمية ورسائل الردع

على المستوى الإقليمي، يبعث هذا التطور برسالة مفادها أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة رسم قواعد الاشتباك وموازين النفوذ،  فالتحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة أظهرت أن أدوات الحصار والضغط الاقتصادي والعسكري لم تعد تحقق النتائج ذاتها التي كانت تحققها في السابق، وأن مسارات التسوية والتفاهمات الإقليمية أصبحت أكثر حضوراً في إدارة الأزمات، كما أن الحدث يعكس اتجاهاً نحو تثبيت معادلة جديدة قوامها أن استقرار المنطقة وأمن الممرات الحيوية يرتبطان بدرجة كبيرة بوجود تفاهمات سياسية شاملة ومستدامة، وليس بالاعتماد على أدوات الضغط وحدها.

ختاما ..

سواء اعتبر  ما حدث باعتباره اختراقاً للحصار الجوي أو تحولاً في آليات إدارته،  فإن المؤكد أن المشهد اليمني دخل مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت خلال السنوات الماضية، فالحصار الجوي كان أحد أبرز رموز الحرب وأدواتها، وأي تغير في هذه المعادلة يحمل دلالات تتجاوز المطار والطائرة والرحلة الجوية، ليصل إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية المرتبطة بالأزمة اليمنية برمتها،  وفي الحسابات الاستراتيجية، غالباً ما تكون التحولات الكبرى بدايةً رمزية قبل أن تتحول إلى وقائع راسخة، وهو ما يجعل هذا التطور حدثاً يستحق التوقف عنده بوصفه أحد المؤشرات المهمة على التحولات الجارية في المشهد اليمني والإقليمي.

 

*نقلاً عن موقع يمانيون

التعليقات مغلقة.