معركة الوعي والتحرر من الأنداد .. استراتيجية العودة إلى القرآن وبناء الإنسان الحر؟

صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي

 

في واحدة من أبرز القراءات الفكرية المعاصرة للمفاهيم القرآنية، يقدم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، تفسيراً يتجاوز الحدود التقليدية للفهم الوعظي أو اللغوي للنصوص، لينتقل إلى بناء رؤية استراتيجية شاملة تعتبر أن جوهر الصراع الإنساني عبر التاريخ لم يكن صراعاً على الموارد أو النفوذ فحسب، بل صراعاً على المرجعية والطاعة والولاء ومصدر القرار، ومن هذا المنطلق تتحول الآية الكريمة:  {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}،  من مجرد نهي عن عبادة الأصنام الحجرية إلى إعلان قرآني دائم لتحرير الإنسان من كافة أشكال الهيمنة والاستعباد والخضوع لغير الله.

استراتيجية تحرير الإنسان من مراكز الهيمنة البديلة

تقوم الرؤية على قاعدة مركزية مفادها أن الإنسان لا يعيش فراغاً في الطاعة والانقياد، وإنما يتحرك دائماً وفق مرجعية معينة توجه قراراته ومواقفه وخياراته، فإما أن تكون هذه المرجعية هي الله سبحانه وتعالى وقيمه وتشريعاته، وإما أن تتوزع الطاعة بين الأهواء والرغبات والسلطات البشرية ومراكز النفوذ المختلفة، وتبعاً لذلك تعيد الرؤية تعريف مفهوم “الأنداد” باعتباره يشمل الهوى الشخصي عندما يصبح الحاكم الفعلي للسلوك، والسلطة السياسية عندما تفرض الطاعة خارج حدود الحق والعدل،
والمرجعيات الفكرية والثقافية عندما تتحول إلى مصادر تشريع موازية للوحي، والقوة المادية عندما تصبح معياراً للحقيقة والصواب، وبذلك يصبح التوحيد مشروع تحرير شامل قبل أن يكون مجرد قضية عقدية مجردة.

معركة الوعي قبل معركة الميدان

تكشف الرؤية عن فهم استراتيجي يعتبر أن أخطر أشكال السيطرة لا تتمثل في الاحتلال العسكري أو الهيمنة الاقتصادية فقط، وإنما في السيطرة على وعي الإنسان وإعادة تشكيل مصادر خوفه ورجائه وولائه، فالإنسان الذي يخاف البشر أكثر مما يخاف الله، أو يقدم رضا القوى النافذة على القيم والمبادئ، يكون قد دخل في دائرة صناعة الأنداد ولو لم يدرك ذلك، ومن هنا يصبح بناء الوعي القرآني شرطاً أولياً لأي مشروع نهضوي أو تحرري، فالمعركة الحقيقية تبدأ داخل العقل قبل أن تنتقل إلى الواقع.

العودة إلى القرآن بوصفها استراتيجية بناء حضاري

ترفض الرؤية التعامل مع القرآن باعتباره نصاً للبركة الروحية أو المناسبات التعبدية فقط، وتقدمه باعتباره مشروعاً متكاملاً لبناء الأمة وإدارة الواقع وصناعة القرار، فالقرآن ليس كتاباً للماضي وإنما كتاب للحياة والحركة والتغيير، ومن هنا تنطلق الدعوة إلى، إعادة القرآن إلى مركز صناعة الوعي، وتحويله إلى مرجعية في التربية والسياسة والثقافة والاجتماع، وبناء الإنسان القادر على قراءة الواقع من خلال الرؤية القرآنية لا من خلال المفاهيم الوافدة وحدها، واستعادة الثقة بالمنهج الإلهي باعتباره أساس النهوض الحضاري.

منطق الإقناع القرآني وبناء اليقين

في تناول قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} ، تقدم الرؤية تصوراً مختلفاً يقوم على أن القرآن لا يفرض نفسه بالقهر الفكري، وإنما يقود الإنسان إلى الحقيقة عبر مسار التأمل والتفكير والمراجعة، فالغاية الأساسية ليست الانتصار في الجدل، وإنما إعادة الإنسان إلى القرآن نفسه، وتمثل هذه الفكرة أحد أهم مرتكزات المشروع القرآني؛ إذ يتحول القرآن من موضوع للنقاش إلى مرجع للحسم، ومن نص يدافع عنه أتباعه إلى مصدر يمتلك القدرة الذاتية على إثبات حقيقته وإقناع قارئه.

استراتيجية إعادة تشكيل المرجعية

من أهم ما تكشفه هذه الرؤية أنها تسعى إلى نقل المجتمع من مرحلة التبعية للرموز والقوى والمراكز المؤثرة إلى مرحلة الارتباط المباشر بالهداية الإلهية، فالأنبياء والأولياء لا يمثلون مراكز مستقلة للطاعة، وإنما يشكلون امتداداً للهداية الإلهية ومساراً يقود إلى الله لا بديلاً عنه، ومن هنا يظهر الفرق بين الطاعة التي تعمل داخل صراط الله المستقيم، والطاعة التي تؤسس لمرجعيات مستقلة تتحول تدريجياً إلى أنداد تنافس حق الله في الطاعة والاتباع.

إسقاط الأصنام المعاصرة

إذا كانت المجتمعات القديمة قد صنعت أصنامها من الحجارة والخشب، فإن المجتمعات الحديثة قد تصنع أصنامها من القوة والنفوذ والمال والإعلام والمصالح والأفكار المطلقة، وتحذر الرؤية من أن خطورة هذه الأصنام تكمن في أنها لا تُعبد بالركوع والسجود، وإنما بالخضوع النفسي والانبهار والطاعة غير المشروطة والتسليم المطلق، وبذلك تصبح مهمة الوعي القرآني هي كشف هذه الأنداد المعاصرة وتحرير الإنسان من سلطانها.

الإنسان الحر هو الهدف النهائي للمشروع القرآني

الغاية النهائية للرؤية ليست إنتاج إنسان منعزل عن الواقع، وإنما بناء إنسان حر الإرادة، ومستقل القرار، ومرتبط بالله وحده، وقادر على مواجهة الضغوط والهيمنة، وممتلك للبوصلة الأخلاقية والفكرية التي تحكم مواقفه وخياراته، إن الإنسان الذي لا يخضع إلا لله يصبح أكثر قدرة على مقاومة الخوف والابتزاز والتبعية، وأكثر قدرة على صناعة موقفه بحرية ووعي ومسؤولية.

ختاما ..

تكشف هذه القراءة عن مشروع فكري متكامل يقوم على أربع ركائز مركزية، تحرير الإنسان من كافة الأنداد والمرجعيات المنافسة لله، وإعادة القرآن إلى مركز صناعة الوعي والقرار، وبناء اليقين عبر التفكير والتأمل لا عبر الإكراه والجدل العقيم، وصناعة الإنسان الحر القادر على الحركة داخل صراط الله المستقيم، وبذلك تتحول معركة التوحيد من قضية عقدية محضة إلى مشروع حضاري شامل يهدف إلى تحرير العقل والإرادة والقرار، وإعادة بناء الإنسان على أساس العبودية لله وحده، باعتبارها الأساس الحقيقي لكل أشكال الحرية والكرامة والاستقلال.

 

*نقلاً عن موقع يمانيون

التعليقات مغلقة.