إيران ترفع سقف المواجهة: «لن نُهزم.. وسنغيّر قواعد اللعبة» قراءة في دلالات التصعيد الإيراني عسكريًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا
صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي
تكشف التصريحات الإيرانية الأخيرة عن انتقال واضح في خطاب طهران من مجرد الرد على الضربات الأمريكية إلى محاولة إعادة صياغة قواعد الاشتباك، عبر دمج المسارات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والقانونية في استراتيجية واحدة، وتبرز في هذا السياق تصريحات الحرس الثوري التي أكدت أن الشعب الإيراني «لا يخاف من الاستعراضات والترهيب الأمريكي»، وأن «القرن الحالي هو قرن غلبة إرادة الشعوب»، إلى جانب تحذيراته للشركات البحرية من تبعات التعاون مع الولايات المتحدة، وتصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي حول «استراتيجية جديدة» في الحرب والدبلوماسية ومواجهة الحصار الاقتصادي.
الرسالة الأساسية في الخطاب الإيراني هي أن التفوق العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية، فالتأكيد على صمود الشعب الإيراني يستهدف الداخل الإيراني أولًا، لرفع المعنويات ومنع تحول الضربات العسكرية إلى ضغط على الجبهة الداخلية، كما يحمل رسالة إلى واشنطن بأن القصف لن يؤدي تلقائيًا إلى انهيار القرار الإيراني،
ومن هنا تأتي لغة رضائي التصعيدية بأن الاستراتيجية الجديدة ستعمل على «تحطيم» بنية العدو من أساسها، في إشارة إلى أن طهران تسعى إلى نقل الحرب من مواجهة عسكرية مباشرة إلى صراع طويل متعدد الأدوات.
تصريحات الحرس الثوري بشأن ناقلتي النفط اللتين اصطدمتا بألغام بعد عبورهما مسارًا غير قانوني، والتحذير من إجراءات عقابية ضد الشركات البحرية، تكشف عن أهمية مضيق هرمز في الاستراتيجية الإيرانية، فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، وأي اضطراب في حركة الملاحة ينعكس على أسعار النفط والتأمين والنقل والأسواق الدولية، وبذلك فإن طهران، تحول المعادلة من «الولايات المتحدة تحاصر إيران اقتصاديًا»، إلى «الحصار على إيران ستكون له كلفة عالية على مصالح العدو الأمريكي »، وهذه إحدى صور الردع غير المتماثل؛ إذ لا تحتاج إيران إلى التفوق التقليدي على الولايات المتحدة، وإنما إلى امتلاك أدوات تجعل تكلفة الحرب مرتفعة.
حديث محسن رضائي عن استراتيجية تجمع الحرب والدبلوماسية ومواجهة الحصار الاقتصادي يمثل مفتاحًا لفهم التصور الإيراني للمرحلة المقبلة، فطهران تريد الحفاظ على قدرتها العسكرية على الرد، بالتوازي مع استخدام الدبلوماسية لكسر العزلة، والضغط على الاقتصاد العالمي عبر أدوات الطاقة والملاحة، وهذا يعني أن إيران لا تتعامل مع الحرب باعتبارها معركة ميدانية فقط، وإنما باعتبارها صراعًا على القدرة على الاستمرار وتحمل الكلفة.
في المقابل، تفتح الخارجية الإيرانية جبهة دبلوماسية وقانونية وتكشف جرائم الولايات المتحدة باستهداف مدنيين، ومن بينهم ضحايا سقطوا في هجوم على حفل زفاف في سيريك، إضافة إلى استهداف أبراج اتصالات ومراكز خدمية، وتسعى طهران من خلال ذلك إلى نقل النقاش من سؤال «من يملك القوة العسكرية؟»
إلى سؤال «من يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن نتائج الحرب؟» ، كما طالبت دول المنطقة بمنع استخدام أراضيها وإمكاناتها لتنفيذ عمليات ضد إيران، محذرة من اتساع دائرة المواجهة.
تكشف مجمل التصريحات أن إيران تعمل على توسيع مفهوم الردع، فالقواعد العسكرية الأمريكية، والممرات البحرية، وشركات النقل والطاقة، والبيئة الإقليمية، وحتى المؤسسات الدولية، أصبحت جميعها جزءًا من الحسابات الإيرانية، والرسالة التي تحاول طهران تثبيتها هي أن أي حرب ضدها لن تبقى محصورة داخل حدودها، وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة؛ إذ يمكن أن تتحول المواجهة من حرب أمريكية–إيرانية إلى أزمة إقليمية واسعة إذا اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل دولًا أو منشآت أو ممرات حيوية.
التصريحات الإيرانية الأخيرة ترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع تقوم على معادلة واضحة، مواجهة عسكرية، وضغط اقتصادي، وردع بحري، وحراك دبلوماسي وقانوني متزامن،
وتوصل طهران رسالة ردع قوية إلى العدو بأن إسقاط القنابل على إيران لا يعني إسقاط إرادتها، وأن التفوق العسكري الأمريكي لا يضمن نصرًا سياسيًا سريعًا، ومن هنا تبدو عبارة «الاستراتيجية الجديدة» التي تحدث عنها رضائي أكثر من مجرد تصريح سياسي؛ فهي تعكس إرادة إيرانية لإعادة تعريف الحرب باعتبارها معركة إرادات وقدرة على الصمود ورفع كلفة المواجهة، وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز باعتباره الورقة الأكثر حساسية؛ فالمعركة حوله لا تتعلق بإيران والولايات المتحدة وحدهما، بل بالطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي، إنها، وفق الرسائل الإيرانية، مواجهة لا تريد طهران أن تنتهي بانتصار عسكري للخصم، بل أن تنتهي بمعادلة جديدة يدفع فيها من بدأ التصعيد ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا باهظًا.
*نقلاً عن موقع يمانيون
التعليقات مغلقة.