أرامكو” و”رؤية 2030″ على المحك: هل تتحمل الرياض كلفة تحدي قرار اليمن بكسر الحصار إرضاءً لواشنطن؟

صنعاء سيتي | تقرير 

 

 

تحوّل ميزان الردع العسكري والسياسي لصالح صنعاء بشكل كلي، واضعًا حدًا لغطرسة النظام السعودي الاستعلائية التي استمرت على مدى أحد عشر عامًا من العدوان الشامل والحصار الجائر الممنهج. ففي اللحظة التي تجرأ فيها الطيران الحربي لتحالف العدوان على محاولة اعتراض طائرة مدنية يمنية تقل أكثر من مئتي مواطن من الجرحى والعالقين، جاء الرد السيادي المباغت عبر صواريخ الدفاع الجوي ليرسم معادلة اشتباك جديدة تجاوزت حدود حماية الأجواء إلى تثبيت السيادة الكاملة بحد السلاح. هذه السقطة السعودية المدوية أثبتت مجددًا للرأي العام المحلي الدولي أن الرياض ليست سوى أداة مرتهنة تحركها الإدارة الأمريكية وكيان الوفاق الصهيوني، لاسيما في ظل الموقف اليمني المشرف المساند لقطاع غزة، مما يجعل تحركات النظام السعودي الأخيرة انتحارًا سياسيًا واقتصاديًا يعرض أمنه الداخلي برمته لدمار محتم.

تكشف الوقائع الميدانية والسياسية أن الإصرار اليمني على كسر الحصار لم يعد مجرد مطلب تفاوضي، بل هو قرار استراتيجي جامع اتخذته القيادة الثورية والسياسية والقوات المسلحة ومسنود بنكف قبلي وشعبي عارم لا رجعة فيه. إن الممارسات السعودية الرامية لتزييف الحقائق عبر متحدثها العسكري، وتصوير الرحلات الإنسانية المدنية كتهديد لأمنها، تعكس حجم التخبط والغرور العقيم لنظام يرفض استيعاب متغيرات القوة. وبناءً على البيانات الصارمة الصادرة عن وزارة الخارجية والقوات المسلحة اليمنية، فإن عودة حركة الطيران المدني إلى مطار صنعاء الدولي وباقي الموانئ هي حق سيادي أصيل للشعب المظلوم المعتدى عليه، وأن أي محاولة للمماطلة أو التنصل من التزامات السلام وخارطة الطريق المبرمة برعاية سلطنة عمان، ستواجه بردود عسكرية حاسمة تطال عصب الاقتصاد السعودي ومشاريع رؤيته الافتراضية.

صواريخ صنعاء تدشن كسر الحصار

وضعت القوات المسلحة اليمنية حدًا قاطعًا لسياسة التهديد والوعيد السعودية التي حاولت فرض وصايتها على الأجواء اليمنية عند الساعة 5:20 صباحًا، حينما حاول تشكيل جوي معادٍ اعتراض طائرة مدنية آمنة. وجاء الإعلان العسكري عن تفعيل منظومات الدفاع الجوي وإجبار الطيران الحربي السعودي على الفرار ذليلاً، ليدشن مرحلة “العمليات المباشرة لكسر الحصار”، مكرسًا حقيقة أن الأجواء والمطارات والموانئ اليمنية لم تعد ساحة مستباحة للنظام السعودي أو شركائه الأمريكيين والصهاينة. إن هذا التصدي الناجح يمثل ترجمة عملية لتوجيهات القيادة الثورية بضرورة إنهاء المعاناة الإنسانية دون قيد أو شرط، ويفضح كذب سردية العدوان حول انفتحه على السلام.

لم تعد صنعاء تراهن على المواقف الدولية الباردة أو الوعود الدبلوماسية العقيمة، بل باتت تعتمد بشكل مطلق على استراتيجية فرض الأمر الواقع بقوة السلاح وإحلال التوازن العسكري. إن المبادرة الشجاعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في تسيير هذه الرحلة لنقل المرضى والعالقين والوفد الرسمي والشعبي، شكلت صفعة سياسية قوية للحظر السعودي الأمريكي المفروض منذ سنوات. وقد أكدت القيادة العسكرية جهوزية كافة التشكيلات لمواصلة الرحلات الجوية بين صنعاء وطهران وتوسيعها، متوكلة على الله ومستندة إلى جهوزية قتالية عالية تضع اليد على الزناد لإنهاء الوصاية وبتر يد أي معتدٍ يحاول العبث بالحقوق الإنسانية للشعب اليمني.

التحرك العسكري الأخير لم يكن معزولاً عن الحاضنة الشعبية، بل توازى مع غليان قبلي ونفير عام أعلنته القبائل اليمنية عبر لقاءات موسعة ومسلحة باركت عملية الدفاع الجوي ودعت إلى ضرب العمق السعودي. هذا التلاحم المصيري بين الجيش والقبيلة يمنح القرار السياسي تفويضًا مطلقًا للذهاب إلى أبعد مدى في تأديب النظام السعودي ومواجهة غطرسته ومغامراته غير المحسوبة. إن تكرار أي حماقة سعودية ضد الطيران المدني لن يعني سوى اشتعال جبهات أوسع، وإغلاق كافة الأجواء والمنافذ أمام حركة الطيران السعودي بالمثل، تنفيذًا لمعادلة الرد الشامل بالمثل التي لن تستثني منشأة أو مطارًا في منظومة تحالف العدوان.

ربع مليون غارة وإبادة صامتة

تحول حصار مطار صنعاء الدولي وإغلاق الموانئ والمنافذ من قبل تحالف العدوان السعودي الأمريكي على مدى أكثر من عقد إلى جريمة حرب مكتملة الأركان وإبادة جماعية ممنهجة بحق ملايين اليمنيين. تشير البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الحكومية في صنعاء إلى أن الحظر الجوي والبحري تسبب في وفاة عشرات الآلاف من المرضى الذين حُرموا من حق السفر للعلاج في الخارج، فضلًا عن تسبب الحصار الجوي والبحري في تفاقم أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم. لقد شن العدوان أكثر من ربع مليون غارة جوية دمرت البنية التحتية، ولم تسلم منها حتى المقابر والمستشفيات، مستهدفاً مظاهر الحياة كافة في ظل صمت دولي متواطئ.

ولم يتوقف الإجرام عند الاستهداف العسكري المباشر، بل امتد لضرب القوت اليومي للمواطن من خلال القرصنة المستمرة على سفن الوقود والغذاء في ميناء الحديدة، ونقل وظائف البنك المركزي، وعرقلة صرف مرتبات الموظفين الحكوميين من عائدات الثروات السيادية. إن الحصار الأمريكي السعودي يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان استُخدمت كسلاح عسكري بديل بعد فشل الآلة الحربية للعدوان في تحقيق أي اختراق ميداني. إن المعاناة الإنسانية المتفاقمة لمرضى السرطان والفشل الكلوي والأطفال حديثي الولادة هي شواهد حية على خسة هذا الحصار الذي يسعى العدو من خلاله لتركيع شعبٍ يرفض الخضوع والوصاية.

“إن تحويل قضية مطار صنعاء الدولي والموانئ والمنافذ من ملف سياسي خاضع للمساومة إلى قضية حقوقية وسيادية وإنسانية غير قابلة للنقاش، هو جوهر الموقف الثابت لصنعاء التي ترى في استمرار الحظر جريمة مستمرة لا يمكن السكوت عنها أو القبول ببقائها.”

تنصل الرياض وارتهانها للقرار الأمريكي

تثبت الوقائع السياسية وجولات المفاوضات المتعاقبة أن النظام السعودي ليس وسيطاً، بل هو رأس العدوان وقائد الحرب الفعلي الذي يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن كل الدمار والجرائم في اليمن. ورغم موافقة صنعاء المتكررة والصريحة على خارطة الطريق التي تمت برعاية سلطنة عمان الشقيقة، إلا أن الرياض تستمر في المماطلة والتسويف، محاولةً التملص من التزاماتها الإنسانية والاقتصادية المتمثلة في إعادة الإعمار، والتعويضات، وصرف المرتبات. إن هذا التراجع السعودي يخدم مباشرة الأجندة الأمريكية والصهيونية الساعية لمعاقبة اليمن بسبب موقفه الديني والقومي المساند لقطاع غزة في معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس”.

وتتجلى حقيقة الارتهان السعودي للخارج في الدفع بمرتزقته لتكرار سرديته الكاذبة حول السلام، بينما يمارس على الأرض أقسى أنواع القرصنة الجوية لمنع عودة العالقين، وهو ما يسقط دعاوى حرصه على سيادة اليمن أو استقراره. إن انتقاد النظام السعودي لعمليات الإسناد اليمنية للشعب الفلسطيني، وانزعاجه من كسر الحظر الإنساني على مطار صنعاء، يثبت مجدداً أنه أداة تنفذ إملاءات واشنطن وتل أبيب لحماية الكيان الإسرائيلي. وبناءً على ذلك، فإن ادعاءات الرياض بالرغبة في السلام سقطت عملياً، وهي مطالبة اليوم دون تسويف بالتوقيع الفوري على خارطة الطريق وتنفيذها، أو تحمل تبعات خياراتها العدوانية.

أرامكو ورؤية ٢٠٣٠ تحت المقصلة

وضعت القيادة العسكرية في صنعاء معادلة اقتصادية واضحة ومباشرة رداً على استمرار الحصار والقرصنة: “أمن اقتصادكم وازدهار مشاريعكم مرهون بإنهاء معاناة شعبنا ورفع الحصار بالكامل”. إن على النظام السعودي أن ينظر بجدية إلى منشآته النفطية في “أرامكو”، ومصافي ينبع، والموانئ التجارية، والبورصة المالية، ومشاريع “رؤية 2030” الاستعراضية، باعتبارها أهدافاً مشروعة ومباشرة لصواريخ وسلاح الجو المسير اليمني. ولن يتردد اليمن في تحويل هذه المرافق الحيوية إلى رماد إذا ما استمر العدو في إغلاق مطار صنعاء وموانئ الحديدة ومحاصرة لقمة عيش المواطنين.

وتحمل الرسائل التحذيرية الصادرة عن صنعاء طابعاً حاسماً وموجهاً للمستثمرين والشركات العالمية داخل المملكة، تفيد بأن المنطقة لن تنعم بالاستقرار طالما استمرت الجرائم بحق اليمن. إن العجز الفاضح للمنظومات الدفاعية الأمريكية والدولية في البحرين الأحمر والعربي أمام الضربات السيادية اليمنية هو درس قاسٍ يجب على الرياض استيعابه بدقة؛ فمن عجز عن حماية الملاحة الصهيونية هو أعجز عن حماية آباره النفطية. وبناءً عليه، فإن أي تصعيد أو محاولة لمنع الطيران المدني ستواجه برد شامل ومدمر يضرب عصب الاقتصاد السعودي، ويضع حداً نهائياً لسياسة التهديد والترغيب الفاشلة.

لا يمكن للمجتمع الدولي والإقليمي المتفرج على معاناة اليمنيين أن يتوقع استقرارًا لخطوط الطاقة العالمية أو هدوءًا في المنطقة إذا ما استمر التعنت السعودي في تشديد الحصار والعدوان. إن أي خطوة عدائية جديدة يقدم عليها النظام السعودي المجرم بتوجيه أمريكي ستلقي بظلالها الكارثية على الاقتصاد العالمي المضطرب أصلاً، وتتحمل الرياض كامل المسؤولية عن التداعيات. لقد أثبت عقد من الزمن فشل وسقوط الرهانات العسكرية لقوى العدوان، ولن يقبل اليمنيون بعد اليوم بأن يموت أطفالهم حظرًا وتجويعًا بينما ينعم المعتدون بالأمن، فالخيار المتبقي للنظام السعودي إما النزول عند استحقاقات السلام والسيادة أو مواجهة زلزال عسكري مدمر.

سلاح الردع يحسم السيادة

طوى اليمن إلى غير رجعة زمن الارتهان والوصاية الخارجية، فارضاً بقوة السلاح وصمود شعب الأحرار واقعاً استراتيجياً جديداً لا مكان فيه للقرصنة أو الإملاءات السعودية الأمريكية. إن أولى عمليات كسر الحصار في مطار صنعاء الدولي، وما رافقها من نكف قبلي مسلح، أرسلت رسالة واضحة لقوى الاستكبار بأن الحقوق الإنسانية والسيادية لليمنيين ستُنتزع كاملاً دون قيد أو شرط، وأن لغة الردع العسكري هي الوحيدة الكفيلة بإعادة العدو إلى رشده. إن المراهنة على كسر إرادة هذا الشعب المعتدى عليه قد سقطت وتحطمت فوق صخرة الصمود والتلاحم بين القيادة والجيش والحاضنة الشعبية الوفية.

وعلى النظام السعودي المجرم أن يأخذ العبرة من عقد كامل من الفشل العسكري وسقوط الرهانات، وأن يدرك أن أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي يرتبطان ارتباطاً وثيقاً برفع الحصار الظالم عن اليمن. إن محاولات ثني اليمن عن مواقفه المبدئية أو الاستمرار في تجويعه عبر الحظر الجوي والبحري ستجلب على الرياض ومشاريعها الاقتصادية دماراً شاملاً ومستقبلاً مظلماً. إن صنعاء اليوم، وهي تضع يدها على الزناد، ثابتة على ثوابتها الوطنية والجهادية، ولن تقبل بأنصاف الحلول، فإما سلام حقيقي يضمن رفع الحصار وصرف المرتبات، وإما رد حاسم يزلزل عروش المعتدين.

 

*نقلاً عن 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.