البركان الذي لم يفهمه أحد: كيف قرأ المفكر العربي حسنين هيكل اليمن قبل أن يشتعل؟

صنعاء سيتي | تقرير | محسن علي

 

في ربيع 2015، وبينما كانت طائرات تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي تشنّ غاراتها الأولى على حي سكني في بني حوات بالعاصمة صنعاء ابتداء، تحت مسمى “عاصفة الحزم”، بإعلان رسمي من واشنطن على لسان وزير خارجية النظام السعودي “عادل الجبير”  وقف محمد حسنين هيكل أمام كاميرات التلفزيون ليطلق عبارة بدت حينها تحذيراً دبلوماسياً، لكنها تحوّلت لاحقاً إلى واحدة من أكثر المقولات استشهاداً في تحليل المشهد اليمني: “اليمن بركان نائم في جنوب شبه الجزيرة العربية، وإذا انفجر سيجرف كل المنطقة”،  لم يكن هيكل عسكرياً ولا قبائلياً ، وإنما كان صحفياً ومفكراً سياسياً يقرأ التاريخ بمنطق الجغرافيا والبنية الاجتماعية، ولعل ما يمنح هذه المقولة وزنها اليوم ليس دقتها العسكرية، بل قدرتها على تفسير ما جرى لاحقاً: تحوّل اليمن من “ملف” هامشي في السياسة العربية إلى مركز ثقل يهدد بإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة بأسرها والعالم.

للدخول إلى عمق تحليل المقولة التاريخية هنا تفرض عدة أسئلة مهمة نفسها على الواقع وهي: لماذا يتحوّل بلدٌ يُوصف بالفقر والانقسام إلى “بركان”؟ وما الذي يجعل مفكراً عربياً كبيراً يحذّر من أن انفجاره “سيجرف كل المنطقة”؟ الإجابة لا تكمن في الصواريخ ولا في المسيّرات وحدها، بل في البنية العميقة لليمن: قبائل لا تُشترى، وتضاريس لا تُحتل، وذاكرة تاريخية لا تقبل الوصاية، مقولة الراحل هيكل ليست نبوءة ، بل قراءة في كيمياء اليمن السياسية والاجتماعية، وهي تستدعي اليوم سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل انفجر البركان فعلاً؟ أم أن ما نراه منذ 2015 ليس إلا الرماد المتطاير قبل الثوران الكامل؟

“البركان النائم” – لماذا هذا التشبيه تحديداً؟

اختار هيكل تشبيه اليمن بالبركان لا بالعاصفة ولا بالزلزال، والبركان، في التحليل السياسي، كائنٌ صامتٌ في الظاهر، لكنه يختزن طاقة هائلة تحت سطحه، لا يمكن التنبؤ بلحظة انفجاره بدقة، لكن يمكن الجزم بأنه سينفجر، وهذا بالضبط ما قصده هيكل: اليمن الذي بدا لسنوات “دولة فاشلة” أو “ملفاً قبلياً” -جراء تعاقب الأنظمة العملية السابقة على حكمه لعقود ورهن سياسته وقراره واستقلاله لقوى خارجية وتمرير مخططاتها التي كانت تحاك ضد اليمن واليمنيين- كان يختزن في بنيته الاجتماعية والتاريخية ما هو أكبر من قدرة أي قوة خارجية على احتوائه، أضاف هيكل في السياق ذاته أن “اليمن معقد”، وأن فيه “ولاءات وقبائل كثيرة جداً وأحزاباً سياسية وقوى جديدة”، محذراً من أن الحل العسكري وحده لا يمكن أن يعالج هذا التعقيد.

ماذا يعني “سيجرف كل المنطقة”؟

لم يكن هيكل يتحدث عن جرفٍ عسكري بالمعنى الحرفي، كان يتحدث عن الجرف الجيوسياسي: انهيار معادلات القوة القائمة، اليمن يطل على باب المندب، أحد أهم المضايق البحرية في العالم، وأشار هيكل في تحليله إلى أن “باب المندب جزيرة بداخلها مطار إسرائيلي” آنذاك قبل تحريرها في العام 2026 في عملية والله أشد بأسا وأشد تنكيلا من قبل أبطال القوات المسلحة اليمنية، وأن السيطرة على هذا الموقع الاستراتيجي ليست تفصيلاً هامشياً، ومنذ 2015، أثبتت الأحداث صحة هذا البعد: لم يعد باب المندب مجرد ممر تجاري، بل أصبح ورقة ضغط عسكرية وسياسية بيد القوى اليمنية، وما يصفه محللون اليوم بأن دخول اليمن في إسناد طوفان غزة في المعركة التي أطلق عليها قائد الثورة السيد القائد عبدالملك الحوثي معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، وما أحدثته من خسائر كبرى لكيان العدو الصهيوني، ومن ثم المواجهة المباشرة مع العدو الأمريكي والصهيوني والبريطاني والتنكيل بهم في البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي ، وما يجري اليوم في إطار “معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” ضد مملكة قرن الشيطان السعودي النجدي لم يكن سوى ترجمة عملية لتحذير هيكل: من يريد السيطرة على اليمن عليه أن يدرك أن اليمن قادر على فرض شروطه على المنطقة بأسرها.

هل “انفجر” البركان فعلاً؟

هنا يكمن الفارق بين التحذير والتحقق، منذ 2015، لم يشهد اليمن انفجاراً واحداً بالمعنى الكارثي الذي قد يتصوره البعض، لكن ما جرى هو انفجار بطيء ومتواصل: تحوّل اليمن من دولة تُحاصر إلى فاعل يفرض معادلات جديدة، وقوة صاعدة فرضت حضورها على الساحة العربية والإقليمية والعالمية، ورقما صعبا يحسب العالم له ألف ألف حساب، فالعمليات العسكرية التي استهدفت العمق السعودي، وتحذيرات شركات الطيران من مطارات محددة، والتأثير على أسعار النفط والملاحة في البحر الأحمر – كلها مظاهر لبركان لا “ينفجر” مرة واحدة، بل يثور على مراحل ويرى بعض المحللين أن “عمليات الجرف” التي تنبأ بها هيكل “لن تتوقف حتى ينتهي اليمن الكبير من جرف كل ما هو مصطنع وطارئ على الجغرافيا العربية وصولا لتحرير فلسطين والمسجد الأقصى الشريف.

لماذا يبقى التحذير صالحاً؟

لأن جوهر المقولة لم يكن عسكرياً بل معرفياً، ما قصده هيكل هو أن اليمن لا يُحكم بالطائرات، ولا يُفهم بالتقارير الاستخبارية المختصرة، أضاف في الحوار نفسه أن “آخر سلاح ينبغي أن نرتكن إليه هو السلاح”، وأن الضربات الجوية “غير مؤثرة”، وأن “الوجود على الواقع هو ما يحدد المصائر وليس العكس“، هذه العبارات، التي قيلت في الأسبوع الأول من “عاصفة الحزم”، تبدو اليوم وكأنها كُتبت بعد سنوات من التجربة، فالحرب التي كان يُفترض أن تنتهي في أسابيع، دخلت عامها الحادي عشر، وسط فشل سعودي أمريكي ذريع وهزائم نكراء ولم تحسم شيئاً بل لم تحقق هدفا يذكر من عناوينها التضليلية المخادعة التي تناولها الأسطول الإعلامي لتحالف العدوان وتعرت وتلاشت أمام وعي شعبنا اليمني طيلة سنوات العدوان والحصار.

ختاماً …

مقولة هيكل ليست نبوءة عسكرية، بل دعوة إلى التواضع المعرفي، لقد حذّر من أن اليمن أكبر من أن يُختزل في “ملف أمني”، وأعمق من أن يُحاصر، وأقوى من أن يُجرف، وبعد أكثر من عقد على العملية الإرهابية الأمريكية السعودية “عاصفة الحزم”، يمكن القول إن البركان لم ينفجر بالصورة التي تخيلها البعض، لكنه يثور بهدوء مدمر: في باب المندب، وفي أسواق الطاقة، وفي معادلات الردع الإقليمية.

ليبقى الدرس الذي يقدمه هيكل لأي قوة تريد أن تتعامل مع اليمن أو تتحالف مع النظام السعودي المجرم لسفك الدم اليمني أو إحتلاله هو درس واحد: من لا يقرأ جغرافيا اليمن وتاريخه، سيدفع ثمن قراءته الخاطئة من استقرار المنطقة بأكملها؛  البركان ثار ولم ينطفئ بعد، ومن يتعامل معه وكأنه جبل صامت، سيكتشف متأخراً أن الرماد وحده لا يكفي للتنبؤ بلحظة الانفجار.

 

*نقلاً عن موقع يمانيون

التعليقات مغلقة.