طريق الخلاص للأمة
صنعاء سيتي | مقالات | طلال الغادر
في مشهدٍ يليق بعظمة المناسبة، وتحت سماء صنعاء التي تزينت بملائكة المطر، احتشد اليمنيون في ميدان السبعين وفي سائر المحافظات، في زحفٍ بشري مهيب، كان بمثابة بيانٍ صارخٍ للعالم بأن هذه الأمة التي أنهكتها الحروب والمآسي، لا تزال تنبض بالحياة والإيمان.
تلك الحشود التي عمت الشوارع والساحات كانت تجسيدًا حيًّا لحديث “الإيمان يمان”، وترجمةً واقعية لمعنى الفرح بفضل الله ورحمته، وفي هذا الجمع الإيماني، أشار السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- في كلمته إلى ما هو أبعد من التهنئة، ليضع الأمة أمام مرآة واقعها، ويرسم لها طريق الخلاص من وهدة التبعية والانكسار.
لقد أمسك القائد في خطابه بجراح الأمة، ونظر في عينيها وقال لها: إن “الخلاص ليس في التبعية ولا في الاستكانة، بل في العودة إلى الجوهر الإيماني الذي انطلقت منه الرسالة”؛ فالرسول محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- هو القدوة والأسوة، والهادي والقائد والقدوة، وحجة الله على عباده.
ومن هُنا؛ فإن إحياء ذكراه يأتي بالتمسك بمنهجه، والاهتداء بكتابه، والسير على دربه، وفي هذا السياق، وعند قراءة الآية الكريمة {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ}، لتؤكد أن “الذين معه” ليسوا مجرد حملة اسم أو انتماء عاطفي، وإنّما هم أصحاب الموقف الصادق، الذين يترجمون حبهم للرسول بصمودهم في وجه أعداء الله، وشدتهم على الكفار، ورحمتهم بين المؤمنين، وهذه الصفات لم تكن يومًا ولن تكون مجرد شعارات موسمية وانتهى الأمر، وإنّما هي منهج حياة، وهي البوصلة التي يمكن للأمة من خلالها الخروج من مأزقها الحالي.
وفي لحظة تأملية عميقة، قارن القائد بين حال العالم قبل بعثة النبي الأكرم، حيث ظلمات الجاهلية والطغيان والفساد، وبين واقع الأمة اليوم، حيث يقف اليمن واللبناني والفلسطيني والعراقي والإيراني في وجه مشروع استعماري صهيوني-أمريكي لا يختلف في جوهره عن مشروع أبرهة الذي أراد هدم الكعبة قبل قرون.
التشابه بين الحالتين يبعث على اليقين بأن النصر حليف الصابرين، وأن الطغيان مهما تعاظمت قوته مصيره إلى زوال، تمامًا كما زال جيش الفيل بأبابيل من عنده، وهذا اليقين الإيماني هو ما يحتاجه اليمنيون والعرب والمسلمون اليوم، لمواجهة المخططات التي تهدف لتغيير هوية المنطقة وإقامة الكيان الصهيوني الأكبر على حساب مقدسات الأمة وقضاياها المصيرية.
لقد حملت كلمة السيد القائد رسالة واضحة للشعب اليمني بأن ثباته على خياره الإيماني والتحرري، هو استراتيجية وجود، وليس خيارًا عاطفيًا؛ فمنذ 12 عامًا، والشعب اليمني يواجه حصارًا ظالمًا وعدوانًا غاشمًا بقيادة النظام السعودي بإشراف أمريكي، ورغم ذلك لم ينكسر، بل تحوّلت محنته إلى منعة، وأصبحت بلاده في قلب المعادلة الإقليمية، يضرب بقوة في عمق العدو، ويدعم إخوانه في غزة ولبنان، ويؤكد أن معادلة “الحصار بالحصار” هي الحق المشروع الذي أجازه الله لمن ظلم، مستشهدًا بآيات واضحات من كتاب الله تبيح للمظلوم أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وهذا ليس تعنتًا، بل هو دفاع عن النفس والكرامة، ورفض للوصاية والهيمنة.
وفي الملف الفلسطيني، كان الموقف حاسمًا، حيث أكد أن تحرير فلسطين هو واجب إيماني وأخلاقي يقع على عاتق الأمة جمعاء، وأن الصمت على جرائم كيان العدو الصهيوني، والتخلي عن القدس والأقصى، هو جزء من التفريط الذي أوصل الأمة إلى ما هي عليه اليوم من ضعف وتبعية، ودعوة السيد القائد للأمة بالالتحاق بمحور الجهاد والمقاومة، ليست دعوة للتطرف أو الحرب، وإنّما هي دعوة للوعي، واستعادة للقرار المستقل، ورفض للاستسلام للقوى الظلامية التي تريد للأمة أن تبقى غائبة عن تاريخها ومستقبلها.
ومع كل هذا، يبقى البعد النهضوي والبناء هو الأكثر إلهامًا في هذه التوجيهات؛ فالمشروع الذي يطرحه القائد هو مشروع دولة ومجتمع يقوم على الهوية الإيمانية، ويسعى لتحقيق الاستقلال التام، وبناء الإنسان الجديد القادر على حمل الأمانة والبناء، ولا يقتصر على المواجهة العسكرية فقط، ولعل ما يجري في اليمن نموذج حيّ على أن الإرادة الإيمانية حين تقترن بالصبر والعمل، تستطيع أن تحقق المعجزات، وأن تفتح الطريق لنهضة شاملة.
ويبدو لكل متابع أن ظهور السيد القائد في ذكرى المولد النبوي الشريف، كانت بالنسبة لليمنيين روحًا جديدة في جسد الأمة، وطاقة أمل تدفع للانطلاق، وتذكر الجميع بأن المستقبل لمن يملك أقوى إيمان وأصدق عزيمة، وليس لمن يملك أقوى سلاح، وأن وعد الله بالنصر حق، وأن الظلم مهما طال مصيره الزوال، وقد حان الوقت لتتحول الذكرى إلى منهج، ولتتحول الحشود إلى قوة فاعلة في ميادين البناء والعطاء، وليكن شعارنا دائمًا، كما قال جلَّ وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
التعليقات مغلقة.