الردع الاستباقي.. صنعاء تنقل المعركة إلى ما قبل الهجوم وتفرض معادلة: التحشيد هدف والتصعيد ثمنه الرد

صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي

 

لم تعد المسافة بين قرار التصعيد ونتيجته كما كانت، ففي المعادلة التي تتشكل على امتداد مسرح المواجهة اليمنية، لم يعد انتظار الضربة حتى تقع هو الخيار الوحيد؛ بل باتت مقدمات الهجوم نفسها تدخل دائرة الحساب، تحشيد للقوات، نقل للأسلحة، إنشاء لمخازن الإمداد، تجهيز لمواقع الإسناد، واستعداد لفتح جبهة جديدة؛ كلها مؤشرات تحمل، في منطق الردع الذي تعلنه صنعاء، معنى مختلفاً، إذا تحولت التحركات العسكرية إلى تهديد مباشر، فإنها قد تتحول قبل اكتمالها إلى هدف مباشر، ومن هنا تأتي أهمية العملية العسكرية الأخيرة التي أعلنت عنها القوات المسلحة اليمنية، والتي استهدفت تحشيدات تابعة للعدو السعودي ومخازن للأسلحة في منطقة المخا، باستخدام عدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مؤكدة تحقيق إصابات دقيقة وإحداث تدمير واسع في المعدات والأسلحة وسقوط قتلى وجرحى، وبعيداً عن التفاصيل، فإن الأهم في العملية ليس فقط حجم النيران المستخدمة، وإنما طبيعة الأهداف وتوقيت الضربة، فالرسالة التي تحملها العملية، وفق الخطاب العسكري اليمني، تتجاوز المخا نفسها: لا تنتظروا بدء الهجوم حتى يبدأ الرد؛ فالتحشيد الذي يستهدف الشعب اليمني والمحافظات الحرة أصبح جزءاً من المعركة، وبالتالي قد يصبح هدفاً قبل أن يتحول إلى هجوم، وهنا تحديداً يبدأ الحديث عن الردع الاستباقي.

من الرد على الهجوم إلى ضرب مقدماته

في الحروب التقليدية تبدو المعادلة بسيطة أي هجوم يقابله رد ، لكن الردع يعمل بمنطق مختلف، فالهدف ليس فقط إيقاع الخسائر بالعدو بعد أن يبدأ الهجوم، وإنما منعه من الوصول إلى لحظة الهجوم أصلاً، وهذا ما يجعل ضرب التحشيدات ومخازن السلاح أكثر من مجرد عملية عسكرية تكتيكية؛ فهي محاولة للتأثير في القرار العسكري قبل صدوره، وإجبار العدو السعودي على التفكير في تكلفة التحضير للحرب قبل التفكير في نتائجها، وعندما يدرك الطرف الذي يحشد قواته أن التجمع العسكري نفسه قد يصبح معرضاً للاستهداف، فإن مرحلة التحضير لم تعد مرحلة آمنة، وهنا يتغير السؤال من: كيف ننفذ الهجوم؟، إلى: هل نستطيع تحمل كلفة التحضير للهجوم؟ وهذا بالضبط هو جوهر الردع.

المخا .. عندما تصبح ساحة الإسناد جزءاً من ساحة المعركة

تكتسب المخا أهمية خاصة بحكم موقعها الساحلي ودورها في حركة القوات والإمداد والعمليات على الساحل الغربي، ولذلك فإن استهداف تحشيدات ومخازن أسلحة فيها، يوجه رسالة تتعلق بالبنية التي تقوم عليها أي عملية عسكرية واسعة. فالعملية العسكرية لا تبدأ عند لحظة إطلاق النار، فما قبلها توجد سلسلة طويلة تتضمن تجميع القوات و نقل المعدات و تخزين الذخائر وتأمين الإمداد و الانتشار و بدء الهجوم، وإذا أصبحت هذه السلسلة معرضة للضرب، فإن القدرة على تنفيذ الهجوم تتأثر قبل أن يبدأ، ومن هنا يمكن قراءة عملية المخا باعتبارها محاولة لضرب القدرة على المبادرة، وليس فقط ضرب قوات موجودة في ميدان المواجهة.

«الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد».. من الشعار إلى قاعدة اشتباك

خلال مراحل المواجهة الأخيرة، تحولت عبارة «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد» إلى قاعدة تحكم الرسائل العسكرية الصادرة عن القوات المسلحة اليمنية ومضمون هذه القاعدة واضح، إذا فُرض الحصار، فهناك رد، وإذا توسع التصعيد، يتوسع الرد، وإذا جرى التحضير لهجوم، فإن التحضير نفسه يدخل دائرة الاستهداف، وهذا يعني أن الهدف ليس الدخول في تصعيد مفتوح لذاته، وإنما رفع كلفة التصعيد على العدو السعودي ومرتزقته إلى مستوى يجعله يعيد التفكير في جدوى الاستمرار، فالردع الناجح لا يحتاج دائماً إلى تدمير الخصم؛ يكفي أحياناً أن يجعله يقتنع بأن القرار الذي كان يراه منخفض التكلفة أصبح مكلفاً.

الصواريخ والمسيّرات.. رسالة القدرة على الوصول

إن استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في عملية واحدة، يحمل دلالة تتعلق بالقدرة على الجمع بين وسائل مختلفة في تنفيذ الضربة، لكن القيمة الحقيقية لأي منظومة ردع لا تقاس فقط بعدد الوسائط المستخدمة، بل بقدرتها على الوصول إلى أهداف محددة وإحداث أثر قابل للحساب، فإذا أصبحت المواقع الخلفية والتحشيدات ومخازن السلاح معرضة للاستهداف، فإن العدو مضطر إلى إعادة التفكير في أماكن التجميع، وطبيعة التخزين، ومسارات الإمداد، وآليات الانتشار، ومستوى الحماية المطلوبة، وهكذا تتحول الضربة من حدث عسكري ينتهي بانتهاء الانفجار إلى عامل مستمر في التخطيط للعمليات التالية.

الحرب النفسية

للردع بعد نفسي لا يقل أهمية عن بعده العسكري، فالقوة التي تستطيع إصابة هدف محدد لا تؤثر فقط في المعدات الموجودة داخل الموقع، وإنما تؤثر في القرار الذي سيتخذ بشأن الموقع التالي، وهنا يبدأ تأثير الضربة في الانتقال من الميدان إلى غرف العمليات، إذا أصبح تجمع القوات مخاطرة، فإن القوات ستحتاج إلى الانتشار بصورة أكبر، وإذا أصبح تخزين الأسلحة مخاطرة، فإن المخزونات ستحتاج إلى التوزيع، وإذا أصبح نقل الإمداد مخاطرة، فإن حركة الإمدادات ستحتاج إلى مزيد من الحماية، وهكذا تتحول القدرة الهجومية إلى عبء حماية متزايد، وهذه إحدى أهم وظائف الردع، إجبار العدو على إنفاق الكثير في حماية قدراته.

من الميدان إلى الاقتصاد .. عندما يصبح التصعيد فاتورة

هنا تتجاوز المعادلة حدود الجبهة العسكرية،
فالعدو السعودي لا يتحرك داخل اقتصاد هش أو محدود الموارد؛ بل يمتلك اقتصاداً كبيراً وقدرة مالية واسعة، وينفذ في الوقت ذاته برنامجاً ضخماً لإعادة هيكلة اقتصاده وتنويع مصادر الدخل والاستثمار، لكن قوة الاقتصاد لا تعني أنه منفصل عن المخاطر الأمنية، بل على العكس؛ كلما كبر حجم الاقتصاد وتوسعت الاستثمارات والمشاريع والبنية التحتية، أصبحت حمايتها من المخاطر أكثر أهمية وأكثر كلفة، وهنا يظهر البعد الاقتصادي الحقيقي للردع، فالمعادلة ليست ضربة عسكرية تؤدي إلى خسارة اقتصادية فقط، على الرغم من حجمها الكارثي على العدو، بل تصعيد مستمر و مخاطر أعلى وحماية أكبر وتأمين أعلى و إنفاق أكبر و استثمار أكثر حذراً، وهذه هي الكلفة التي قد تتراكم مع الزمن.

النفط.. قلب الحسابات الاقتصادية

تبقى الطاقة النقطة الأكثر حساسية في اقتصاد العدو السعودي، فأي اضطراب أمني يطال، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حركة النفط أو موانئ التصدير أو خطوط النقل أو الممرات البحرية، يمكن أن يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى سوق الطاقة، وقد أشارت مؤسسات اقتصادية دولية خلال عام 2026 إلى أن اضطرابات الصراع الإقليمي أثرت بالفعل في صادرات النفط السعودية، وفي النشاط غير النفطي وثقة المستثمرين، مع التحذير من أن استمرار التصعيد يمكن أن يضغط على النمو والاستثمار، وهذا مهم لأن المسألة لا تتعلق فقط بما إذا كان النفط سيستمر في الإنتاج، بل بالسؤال الأوسع، بأي تكلفة سينقل؟ وبأي مستوى من المخاطر سيُؤمّن؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتأثر حركة التصدير والأسواق؟
فالنفط الذي ينتج بكفاءة، لكنه يحتاج إلى حماية وتأمين ونقل أكثر كلفة، يتحول جزء من قوته الاقتصادية إلى كلفة أمنية إضافية.

البحر الأحمر.. الجغرافيا التي تتحول إلى اقتصاد

تزداد أهمية هذه النقطة عند النظر إلى البحر الأحمر وباب المندب، فالممرات البحرية ليست مجرد خطوط على الخريطة؛ إنها شرايين للاقتصاد العالمي، وحين ترتفع المخاطر الأمنية فيها، فإن شركات النقل والتأمين والمستثمرين لا تنظر فقط إلى طبيعة الخطر، وإنما إلى تكلفته المحتملة، وهذا يعني تغيير المسارات، زيادة زمن الرحلات، ارتفاع أقساط التأمين، إضافة إجراءات حماية، أو اللجوء إلى بدائل أكثر تكلفة، وهكذا يمكن أن تنتقل آثار التصعيد من الجبهة العسكرية إلى البحر والنقل وإلى التجارة و التأمين إلى الأسعار و الاستثمار، وهذه السلسلة هي التي تمنح المعادلة العسكرية بعداً اقتصادياً يتجاوز حدود اليمن والعدو السعودي .

رؤية 2030.. الاستثمار لا يعيش بعيداً عن الأمن

المعادلة تصبح أكثر حساسية عندما ترتبط بمشاريع العدو السعودي المستقبلية، فـ«رؤية 2030» لا تقوم على النفط وحده، وإنما على جذب الاستثمارات وتطوير السياحة والخدمات والنقل والصناعة والتقنية والمدن والمشاريع الكبرى، وهذه المشاريع تحتاج إلى بيئة مستقرة،
المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم السوق أو الأرباح المتوقعة، وإنما يحسب أيضاً المخاطر الأمنية وكلفة التأمين واستقرار سلاسل الإمداد و استمرارية التشغيل و سلامة الأصول، وكلما ارتفع مستوى المخاطر، ارتفعت تكلفة رأس المال أو زادت الحاجة إلى إجراءات حماية إضافية، حتى لو لم يتعرض المشروع نفسه لضربة مباشرة، ولهذا فإن الردع لا يحتاج إلى استهداف مشروع اقتصادي حتى ينتج أثراً اقتصادياً، يكفي أن تصبح البيئة التي يعمل فيها المشروع أكثر خطورة.

تكلفة الحماية .. المعركة التي لا تظهر في صور الانفجارات

هناك كلفة أخرى أكثر هدوءاً وأقل ظهوراً في الأخبار كلفة الحماية، فكلما ارتفعت المخاطر، احتاج العدو السعودي إلى حماية أكبر للمنشآت الحيوية، والموانئ، والمطارات، وخطوط النقل، والمنشآت النفطية، ومراكز الطاقة، والمشاريع الكبرى، وهذا يعني موارد إضافية، وقد لا تظهر هذه الموارد باعتبارها «خسائر حرب»، لكنها في النهاية جزء من فاتورة التصعيد، وهنا يصبح الردع الاستباقي مؤثراً بطريقة مختلفة، ليس بالضرورة أن يدمر الاقتصاد؛ بل يمكن أن يجعل تشغيل الاقتصاد أكثر تكلفة، وهذا فرق جوهري.

الاقتصاد العسكري .. ضرب القدرة قبل استخدامها

استهداف مخازن الأسلحة والتحشيدات، يعني أن جزءاً من الكلفة يقع على القدرة العسكرية قبل استخدامها، فالذخيرة التي تدمر في مخزن لا تصل إلى الجبهة، والآلية التي تدمر قبل انتشارها لا تشارك في الهجوم، والتحشيد الذي يتعرض للضرب يحتاج إلى إعادة تنظيم، والإمداد الذي يصبح معرضاً للخطر يحتاج إلى حماية إضافية، وهكذا يصبح التصعيد أكثر تكلفة حتى قبل أن تبدأ العملية العسكرية التي جرى التحضير لها، وهذه إحدى أكثر النقاط أهمية في فهم الردع الاستباقي، إجبار العدو السعودي على دفع جزء من ثمن عدوانه وحصاره وتصعيده قبل أن يتحرك من مكانه.

إلى متى يستطيع العدو السعودي تحمل الخسائر؟

العدو السعودي يمتلك موارد مالية وقدرات اقتصادية ومؤسسات قد يعطيه وقتا لامتصاص الصدمات، لكن الردع لا يحتاج إلى إسقاط الاقتصاد حتى ينجح، فالهدف الأكثر واقعية هو رفع كلفة الخيار العسكري، وكلما طال الردع وفرض معادلة التصعيد بالتصعيد يصبح السؤال أكثر أهمية، هل يستحق العدوان العسكري على اليمن كل هذه الكلفة؟هل تستحق عملية التحشيد المخاطر التي أصبحت ترافقها؟
هل تستحق فتح جبهة جديدة أن تُضاف إليها تكلفة الحماية والتأمين والإمداد؟ ، وهنا يبدأ الردع الحقيقي، لأن المعركة تنتقل من امتلاك القدرة، إلى أي مدى يستطيع العدو تحمل كل هذه الكلفة؟

من القوة النارية إلى معادلة الكلفة

في النهاية، لا تُقاس قوة الردع فقط بمدى القدرة على ضرب هدف بعيد، بل بمدى القدرة على تغيير حسابات الخصم، إذا أدى الرد إلى تغيير طريقة التحشيد، وإعادة توزيع القوات، وتشديد حماية المخازن، وتغيير طرق الإمداد، ورفع الإنفاق الأمني، وزيادة المخاطر الاستثمارية، فقد انتقلت الضربة من كونها حدثاً عسكرياً إلى كونها عاملاً مؤثراً في القرار الاستراتيجي، وهنا يصبح الردع شبكة متكاملة من القدرة العسكرية إلى التأثير الميداني إلى الضغط النفسي والكلفة اللوجستية و الكلفة الاقتصادية وصولا إلى ضغط سياسي.

ختاما ..

المشهد الذي تفرضه هذه المعادلة يقول شيئاً مختلفاً وأكثر أهمية، إن قرار التصعيد لم يعد قراراً بلا كلفة، فالتحشيد سيتعرض للاستهداف،
ومخازن السلاح يتصبح أهدافاً، وخطوط الإمداد لن تكون آمنة، والممرات البحرية ستدخل في حسابات التصعيد، والمنشآت الحيوية ستحتاج إلى إجراءات أمنية إضافية، واستثمارات العدو تدخل تحت حسابات المخاطر، وسيتحمل اقتصاد العدو السعودي كلفة أمنية متزايدة، وهنا تتبلور فلسفة الردع الاستباقي في صورتها الأوسع، لا تنتظر الضربة حتى ترد عليها، بل اجعل التحضير لها مكلفاً إلى الحد الذي يدفع العدو إلى التفكير مرتين قبل تنفيذها، وهذه هي النقلة الجوهرية التي عملت القوات المسلحة اليمنية على تثبيتها في قواعد الاشتباك، فلم تعد المعركة تبدأ عند إطلاق النار، بل تبدأ عندما يبدأ التحشيد، ومن ثم يصبح التحشيد نفسه هدفاً، ويصبح التصعيد نفسه فاتورة، ويصبح على العدو ومرتزقته الذين اختاروا المواجهة أن يحسبوا مسبقاً ما سيدفعونه قبل أن يحسب ما يريدون تحقيقه.

 

*نقلاً عن موقع يمانيون

التعليقات مغلقة.