فخ الاستنزاف: كيف تحولت “حرب الأسابيع” إلى كابوسٍ يُنهك الترسانة الأمريكية ويُهدد هيبة الردع؟

صنعاء سيتي | تقرير خاص

لم تعد الحرب الأمريكية على إيران مجرد ساحة عمليات عسكرية في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى “فخ استراتيجي” بات يهدد أركان القوة الأمريكية عالمياً.

فبعد أكثر من خمسة أشهر على اندلاع مواجهة كان يُفترض أن تكون “قصيرة وحاسمة”، يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه حبيس دائرة مفرغة من التهديدات المتكررة والتراجعات المفاجئة، في وقت تكشف فيه التقارير الدولية عن أزمة عميقة في مخازن الأسلحة قد تغير وجه التوازنات الدولية.

دائرة “التهديد والتراجع”.. استراتيجية بلا بوصلة

تشير تقارير صحفية متطابقة إلى أن الرئيس ترامب وقع في مأزق “السيناريو المتكرر”؛ حيث يلوح بضربة كاسحة، ثم يتراجع في اللحظة الأخيرة مبرراً ذلك بفرص التفاوض.

هذا التردد، الذي تكرر 7 مرات على الأقل، لم يعد يُفسر كدبلوماسية حكيمة، بل كـ “عجز إستراتيجي” يعكس غياب رؤية واضحة لإدارة الحرب.

ويؤكد خبراء السياسة الدولية أن ترامب ارتكب خطأً جوهرياً في تقدير “مناعة النظام الإيراني” الذي يرى في بقائه مسألة وجودية لا تخضع لمنطق الضغط العسكري، مما جعل الأهداف الأمريكية – التي انتهت بالتركيز على “مضيق هرمز” الذي كان مفتوحاً قبل الحرب – أهدافاً بعيدة المنال.

نزيف الترسانة: أرقامٌ تقرع ناقوس الخطر

تنتقل الأزمة الآن من ردهات السياسة إلى “قسوة الأرقام” في البنتاغون؛ حيث تكشف تحليلات “مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية” عن استنزاف مخيف للذخائر الدقيقة:

  • صواريخ “باتريوت”: هبط المخزون من 2200 إلى أقل من 827 صاروخاً.

  • صواريخ “ثاد”: تراجعت من 452 إلى أقل من 278 صاروخاً.

  • فاتورة الحرب: أطلقت واشنطن في الشهر الأول وحده أكثر من 850 صاروخ “توماهوك”، وآلاف الصواريخ الاعتراضية والبالستية، مما وضع المؤسسة العسكرية في حالة طوارئ قصوى.

الأمن القومي في مهب الريح: من أوكرانيا إلى المحيط الهادئ

لم تتوقف آثار هذا الاستنزاف عند حدود الشرق الأوسط؛ فقد اضطر البنتاغون إلى سحب وحدات عسكرية ومنظومات دفاعية من أوروبا وآسيا لتعويض النقص، مما خلق “ثغرات أمنية” عالمية:

  • أوكرانيا: باتت تعاني من نقص حاد في صواريخ الدفاع الجوي، مما يوسع الفجوة أمام الترسانة الروسية.

  • آسيا: أثار نقل الأسلحة من المحيط الهادئ قلق حلفاء أمريكا (اليابان وكوريا الجنوبية) تجاه أي أطماع محتملة للصين أو كوريا الشمالية، مما دفع موسكو وبكين لمراقبة “ضعف الترسانة الأمريكية” عن كثب، وإعادة تقييم موازين القوى الدولية.

السباق مع الزمن: هل تنقذ “عقود التصنيع” البيت الأبيض؟

في محاولة يائسة لتدارك الموقف، وجهت وزارة الحرب مذكرات عاجلة لكبريات شركات الدفاع مثل “لوكهيد مارتن” و”بوينغ” لتسريع الإنتاج. إلا أن هذه الخطط تصطدم بعقبة “التمويل”؛ فالكونغرس لم يعتمد الأموال اللازمة، وعقود التصنيع لا تزال حبراً على ورق. ومع تقديرات بأن تعويض المخزونات سيستغرق سنوات، يبدو أن الحلول العاجلة ليست في المتناول.

عاصفة انتخابية في أفق نوفمبر

سياسياً، تحولت الحرب إلى “عبء انتخابي” ثقيل على الحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي. فإلى جانب ارتفاع أسعار النفط والضغط على الموازنة، هناك حالة من التذمر داخل الحزب بسبب “غموض التمويل” وانشغال الرئيس بقضايا ثانوية، مما يطرح تساؤلاً وجودياً: هل تُسقط “أزمة الذخائر” طموحات الحزب الجمهوري الانتخابية؟

خلاصة المشهد: بينما تنفق واشنطن تريليونات الدولارات على الدفاع، تجد نفسها اليوم أمام اختبار قاسٍ: كيف تحافظ على هيبة الردع وهي تعاني من جفافٍ في مخازن الصواريخ؟ وكيف تطمئن حلفاءها وهي تسحب أسلحتهم لحماية استثمارات سياسية متعثرة في الشرق الأوسط؟ إنها أزمة تتجاوز الحرب في إيران؛ إنها لحظة حاسمة في عمر “الإمبراطورية العسكرية” التي أدركت متأخرة أن الحرب التي بدأت كـ “فيلم قصير”، قد تتحول إلى دراما طويلة لا يعرف أحد كيف ستنتهي.

التعليقات مغلقة.