غزة بين الإبادة والتجويع.. الحصار الصهيوني يُكمل ما تعجز عنه القنابل
صنعاء سيتي | تقرير
لم يعد العدوان الصهيوني على قطاع غزة يقتصر على القصف والمجازر اليومية، بل تحول إلى منظومة إبادة متكاملة تستهدف الإنسان الفلسطيني في كل تفاصيل حياته.. فإلى جانب الغارات التي تحصد أرواح المدنيين، تتسع دائرة الاستهداف لتشمل الغذاء والدواء والمأوى، وحتى الأدلة التي توثق الجرائم، في محاولة لفرض واقع يجعل البقاء على قيد الحياة معركة يومية، ويحوّل القطاع بأكمله إلى ساحة للموت البطيء.
في أحدث تحذير أممي، أكد رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في فلسطين جاستن برادي أن قطاع غزة يواجه حالة طوارئ غذائية قد تصل إلى المرحلة الخامسة من التصنيف الدولي للأمن الغذائي، وهي المرحلة التي تعني إعلان المجاعة رسميًا.
ووفق التقييم الأممي، يعاني 67% من سكان القطاع من انعدام الأمن الغذائي، فيما يقف نحو 10% من السكان على حافة المجاعة، في وقت بات استمرار تدفق المساعدات الإنسانية العامل الوحيد الذي يمنع انهيارًا أشمل، دون أن يعني ذلك تحسنًا حقيقيًا في الأوضاع المعيشية.
وأكد المسؤول الأممي أن أي تراجع في دخول المساعدات سيقود إلى تفاقم سريع للأزمة، خصوصًا مع فقدان السكان مصادر رزقهم وتوقف النشاط الزراعي والإنتاجي بصورة شبه كاملة.
وبينما يتسع شبح المجاعة، يواصل القطاع الصحي انهياره تحت وطأة الحصار والاستهداف المباشر.
وأكدت وزارة الصحة في غزة أن العجز في الأدوية بلغ 47%، وفي المستلزمات الطبية 58%، فيما تجاوز النقص في مواد الفحوصات المخبرية 85%، الأمر الذي يهدد بتوقف كثير من الخدمات الطبية المنقذة للحياة.
وتتصدر أدوية السرطان وأمراض الدم قائمة الأصناف المفقودة بنسبة عجز وصلت إلى 61%، ما جعل آلاف المرضى يواجهون الموت دون علاج.
وفي السياق ذاته، حذر مركز غزة لحقوق الإنسان من أن أربعة إلى خمسة مرضى سرطان يفقدون حياتهم يوميًا نتيجة غياب العلاج الكيماوي والإشعاعي، بينما يواجه أكثر من أربعة آلاف مريض خطر الموت، بعد توقف بروتوكولات العلاج بصورة شبه كاملة.
كما توفي أكثر من 1400 مريض وهم ينتظرون تصاريح السفر للعلاج خارج القطاع، في واحدة من أبشع صور العقاب الجماعي الذي يفرضه العدو.
ولم يكتفِ كيان العدو بحرمان المرضى من العلاج، بل واصل استهداف البنية الصحية بشكل مباشر.. فقد كشف مدير مستشفى العيون في غزة أن المستشفى يعمل بأقل من 70% من طاقته التشغيلية بعد تدمير أجزاء واسعة منه، مع توقف خدمات متخصصة بالكامل، أبرزها عمليات زراعة القرنية، بسبب انعدام المعدات والأدوية.
كما حذرت وزارة الصحة من أن استمرار نقص الوقود وقطع الغيار يهدد بتوقف المولدات الكهربائية، ما يعني شللًا كاملًا للمستشفيات في أي لحظة.
وفي تطور خطير، كشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن قوات العدو تنفذ عملية واسعة لنقل ركام المباني المدمرة إلى خارج قطاع غزة، مستخدمة مئات الآليات والشاحنات، في خطوة اعتبرها محاولة لطمس الأدلة المادية على جرائم الإبادة الجماعية.
وأوضح المرصد أن نحو 100 شاحنة يوميًا تنقل الركام إلى مواقع داخل الأراضي المحتلة، بينما تُقدّر كمية الركام التي جرى تفتيتها أو نقلها بما لا يقل عن 10 ملايين طن.
وحذر من أن هذه العمليات لا تمثل فقط إزالة للأنقاض، بل تؤدي إلى إتلاف الأدلة الجنائية ورفات آلاف المفقودين الذين ما تزال أجسادهم تحت المباني المدمرة، بما يهدد مسار التحقيقات الدولية الخاصة بجرائم العدو.
في موازاة ذلك، تستمر أزمة الإيواء في الاتساع، بعدما أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان أن 410 آلاف وحدة سكنية أصبحت مدمرة أو غير صالحة للسكن، فيما تحتاج أكثر من 350 ألف أسرة إلى مأوى عاجل.
ويعيش نحو 150 ألف أسرة داخل خيام مهترئة، وسط منع العدو إدخال المساكن المؤقتة ومواد البناء، الأمر الذي يضاعف معاناة مئات الآلاف من النازحين.
ولم يسلم الأطفال من العدوان، إذ أصيب طالب فلسطيني برصاصة أطلقتها قوات العدو داخل مدرسته غرب مدينة غزة، في حادثة تعكس استمرار استهداف المدنيين حتى داخل المؤسسات التعليمية.
وفي ظل هذا المشهد، أعلنت وزارة الصحة في غزة ارتفاع حصيلة العدوان إلى 73,375 شهيدًا و174,220 جريحًا منذ السابع من أكتوبر 2023، فيما بلغ عدد الشهداء منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 نحو 1250 شهيدًا، في تأكيد جديد على استمرار العدو في خرق الاتفاق ومواصلة جرائمه.
تكشف الوقائع اليومية أن ما يجري في غزة لم يعد مجرد عدوان، بل مشروع إبادة متكامل يستخدم القصف والتجويع والحرمان من العلاج وتدمير المنازل والمستشفيات، وصولًا إلى طمس الأدلة التي توثق الجرائم.
ورغم اتساع حجم المأساة، يواصل المجتمع الدولي الاكتفاء بالتحذيرات، بينما يمضي كيان العدو في توسيع أدوات القتل، محولًا حياة أكثر من مليوني فلسطيني إلى صراع يومي من أجل البقاء، في واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية دموية في العصر.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.