ثورة 21 سبتمبر في عامها الـ12: تفكيك الهيمنة وبناء معادلات الردع
صنعاء سيتي | تقرير
تُمثّل الذكرى الثانية عشرة لثورة 21 سبتمبر (2014 – 2026) محطة توثيقية مفصلية لتقييم تحول بنيوي أزاح مركز الثقل الجيوسياسي في جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر. لم تكن هذه المحطة انفجاراً شعبياً عارضاً في وجه قرار رفع الدعم عن المشتقات النفطية (جرعة 2014) فحسب، بل شكّلت تفكيكاً جذرياً لمنظومة حكم استمرت عقوداً في الارتهان لغرف «سفراء الدول العشر»، لا سيما بعد محاولات فرض مشروع الأقاليم الستة الرامي لتفكيك الجغرافيا الوطنية، وشل فاعلية الدولة عبر الانفلات الأمني المنظم والاغتيالات الممنهجة في قلب العاصمة.
على مدى اثني عشر عاماً من إدارة مؤسسات الدولة تحت وطأة الحرب والحصار، نقلت القيادة الثورية والسياسية بصنعاء اليمن من موقع التبعية إلى مربع المبادرة والفعل الاستراتيجي. وبرز هذا الانتقال عبر تفكيك شبكات التوجيه الاستخباري الأجنبي، وتوطين بنية التصنيع الحربي الدفاعي، وتثبيت الاستقرار النقدي في المناطق الحرة، وصولاً إلى فرض حظر بحري عطل شريان الملاحة المرتبطة بالكيان الصهيوني، وفرض قواعد اشتباك مباشرة غير مسبوقة مع الأساطيل الغربية.
أنهت أحداث 21 سبتمبر 2014 عقوداً من الاحتكار القبلي والعسكري للقرار السيادي اليمني، والذي تجسد في الوصاية المباشرة التي مارستها السفارة الأمريكية بصنعاء على مفاصل الأمن القومي ووزارة الدفاع. جاء التحرك الميداني استجابة لحالة انسداد سياسي فرضتها المحاصصة الحزبية في حكومة الوفاق، وحالة الانهيار المالي التي ترافقت مع الجرعة السعرية، ليعيد توجيه مسار الدولة نحو الإرادة الشعبية المستقلة وقطع أذرع الهيمنة الخارجية.
شهدت صنعاء بين 16 و21 سبتمبر 2014 سقوط المعسكرات التقليدية التابعة للفرقة الأولى مدرع ومراكز القوى المرتبطة بالرياض وواشنطن، مع الحفاظ الصارم على مؤسسات الدولة والمرافق الخدمية والبعثات الدبلوماسية. هذا الإنجاز الميداني فَرَض التوقيع على «اتفاق السلم والشراكة الوطنية» برعاية المبعوث الأممي جمال بنعمر وبإجماع المكونات السياسية؛ وهو الاتفاق الذي أقر شرعية مطالب الثورة في تصحيح المسار الاقتصادي وتشكيل حكومة كفاءات وإعادة بناء المؤسسات على أسس الشراكة الوطنية.
رسخت الثورة استعادة السيادة عبر إغلاق مقرات التوجيه الأمني والاستخباري الأجنبي، ووقف التواجد العسكري في القواعد والمقرات الرسمية. وجرى تعميد هذا المسار بالتضحيات القيادية الكبرى، وفي مقدمتها استشهاد الرئيس صالح الصماد، الذي أرسى مشروع بناء الدولة بمقولته «يد تحمي ويد تبني»، واضعاً حداً نهائياً لسياسات الارتهان وفرض التدخلات الخارجية على القرار الوطني.
-
إسقاط الوصاية الأجنبية وإغلاق مقرات التوجيه الاستخباري الخارجي في صنعاء.
-
توقيع اتفاق السلم والشراكة الوطنية كإطار سياسي جامع للحل والتوافق.
-
تفكيك مراكز النفوذ التقليدية وتجفيف قنوات تمويلها غير المشروعة.
-
وأد مشروع تقسيم اليمن تحت غطاء الفدرالية والأقاليم الستة المشبوهة.
انطلقت مسيرة بناء القدرات الدفاعية من نقطة الصفر بعد أن دمرت السياسات السابقة منظومات الدفاع الجوي عبر وفود فنية أجنبية، وعقب الغارات المكثفة التي استهدفت مخازن ومعسكرات الجيش منذ مارس 2015. وفي ظل حصار تسليحي شامل، شرعت هيئة التصنيع العسكري في إجراء هندسة عكسية للمنظومات الصاروخية السوفيتية المتبقية، ثم تحولت تدريجياً نحو بناء خطوط إنتاج محلي مستقلة تعتمد على العقول والموارد الذاتية.
انتقلت القوة الصاروخية من تعديل صواريخ «سام-2» إلى صواريخ «قاهر» و«بركان»، وصولاً إلى إنتاج عائلات الصواريخ الباليستية والمجنحة بعيدة المدى (مثل قدس، حاطم، وذو الفقار)، إضافة إلى دخول المنظومات فرط الصوتية من طراز «فلسطين 1 و2» التي تعمل بالوقود الصلب وتتميز بقدرات عالية على المناورة وتجاوز أحدث منظومات الدفاع الجوي. وترافق ذلك مع طفرة موازية في سلاح الجو المسير؛ من طائرات الاستطلاع الصغيرة إلى طائرات «صماد 3 و4»، ومسيرات «وعيد»، وطائرة «يافا» التي قطعت أكثر من 2000 كيلومتر متجاوزة أنظمة الرادار الإقليمية.
أما على المسرح البحري، فقد استطاعت القوات البحرية والدفاع الساحلي تطوير زوارق هجومية غير مأهولة ذات فاعلية تدميرية عالية مثل «طوفان 1 و2 و3» وزوارق «طوفان المدمر»، بالتوازي مع تصنيع ألغام بحرية ذكية متقدمة من طراز «مرصاد»، وغواصات مسيرة وصواريخ بحرية دقيقة الإصابة. هذا التطوير الدفاعي المتكامل حوّل البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى قطاع عملياتي محصن، يضمن السيادة اليمنية الكاملة ويمنع أي انتهاك للمياه الإقليمية.
وظفت القيادة الثورية والسياسية بصنعاء التراكم العسكري كأداة إسناد استراتيجي لقضايا الأمة المركزية، وتحديداً عبر التدخل العملياتي المباشر في معركة «طوفان الأقصى». افتتحت القوات المسلحة هذا المسار باستهداف عمق الكيان الصهيوني في أم الرشراش (إيلات) ويافا المحتلة برشقات من الصواريخ الباليستية فرط الصوتية وسلاح الجو المسير، محطمة جدران الردع الجوي المشترك لمنظومات «آرو» و«مقلاع داود» و«باتريوت».
تصاعدت وتيرة العمليات لتتحول إلى حظر بحري استراتيجي كامل على الملاحة المتجهة إلى موانئ فلسطين المحتلة، حيث جرى استهداف وتتبع أكثر من 200 سفينة مرتبطة بالعدو الصهيوني أو خارقة للحظر، مع توسيع نطاق الاشتباك من البحر الأحمر وباب المندب إلى البحر العربي والمحيط الهندي وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط. كما خاضت صنعاء مواجهة عسكرية مفتوحة مع تحالف «حارس الازدهار»، منفذة ضربات نوعية استهدفت المدمرات الأمريكية البريطانية، وحاملة الطائرات «آيزنهاور» التي أُجبرت على الانسحاب من مسرح العمليات.
-
فرض شلل تام على ميناء أم الرشراش (إيلات) وإلحاق خسائر اقتصادية مباشرة بالعدو.
-
تنفيذ عمليات استهداف متكررة للبوارج والقطع البحرية التابعة للتحالفات الغربية.
-
توسيع الجغرافيا العملياتية للاشتباك البحري إلى المحيط الهندي والبحر المتوسط.
-
حشد الملايين أسبوعياً في ميدان السبعين وتخريج مئات الآلاف من دورات التعبئة الشعبية.
تصدت المؤسسات الاقتصادية في صنعاء لحرب مالية شرسة دشنتها قوى العدوان بقرار نقل وظائف البنك المركزي إلى عدن في سبتمبر 2016، ومصادرة إيرادات النفط والغاز، وقطع مرتبات الموظفين، وضخ أكثر من 5 تريليونات ريال من العملة المطبوعة دون غطاء نقدي. وجاء رد صنعاء الحاسم في ديسمبر 2019 بحظر تداول تلك العملة المطبوعة، ما أدى إلى حماية القوة الشرائية وتثبيت سعر الصرف عند حدود 530 ريالاً للدولار في المناطق الحرة، في مقابل انهيار متواصل للعملة تجاوز سقف 2000 ريال للدولار في المناطق المحتلة.
وعلى صعيد تحقيق الاكتفاء الذاتي، فعلت اللجنة الزراعية والسمكية العليا المبادرات المجتمعية لتوسيع الرقعة الزراعية في سهول تهامة والجوف وصعدة، ودعم زراعة الحبوب محلياً لتقليص فاتورة الاستيراد الغذائي. وعملت الأجهزة المالية على رقمنة التحصيل الجمركي والضريبي، ومكافحة التهرب المالي، وترشيد الإنفاق العام لضمان توجيه الموارد المتاحة نحو استمرار الخدمات الأساسية والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الإداري والمؤسسي للدولة.
وعلى المستوى التفاوضي والسيادي، ثبّت المجلس السياسي الأعلى معادلة الردع الاقتصادي عبر تنفيذ الضربات التحذيرية في مينائي الضبة وقنا أواخر 2022، لمنع نهب وتهريب النفط الخام اليمني. واعتمدت القيادة مبدأً ثابتاً في مسار المحادثات يربط أي تفاهمات سياسية بصرف مرتبات كافة موظفي الدولة من عائدات النفط والغاز، ورفع القيود الكاملة عن مطار صنعاء الدولي وموانئ الحديدة كاستحقاق إنساني غير قابل للتفاوض.
تتوج الذكرى الثانية عشرة لثورة 21 سبتمبر تدشين مسار «التغيير الجذري» بإعلان «حكومة التغيير والبناء»، كاستجابة موضوعية لمتطلبات المرحلة وتفكيك البيروقراطية ومكافحة الفساد وتحديث أجهزة القضاء والإدارة العامة. إن هذا المسار يمثل الوجه الداخلي للثورة، لضمان تطابق الأداء الحكومي والخدمي مع حجم التضحيات الشعبية والصمود العسكري الذي صاغه الميدان طيلة أكثر من عقد.
لقد كرست ثورة 21 سبتمبر اليمن كقوة إقليمية مؤثرة في أمن الطاقة والتوازنات البحرية الدولية، متجاوزة أوهام التبعية وحسابات الوصاية القديمة. واليوم، تقف صنعاء مستندة إلى قاعدة ردع عسكرية مكتملة وتماسك مجتمعي راسخ، لتؤكد أن مسار استعادة كامل السيادة على الأراضي والمياه والجزر الوطنية، وانتزاع حقوق الشعب في ثرواته، هو استحقاق حتمي لا تراجع عنه.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.