معادلة الردع البحري.. الحصار اليمني يطوّق الاقتصاد السعودي ويعيد رسم موازين القوة
صنعاء سيتي | تقرير خاص
لم تعد المعركة بين اليمن والنظام السعودي محصورة في الحدود والجبهات البرية، ولا في نطاق الضربات العسكرية التقليدية، بل انتقلت إلى مستوى استراتيجي أكثر تأثيرًا، عنوانه السيطرة على خطوط الملاحة والضغط على العصب الاقتصادي للمملكة، في ترجمة عملية لمعادلة: «الحصار بالحصار والميناء بالميناء».
وبفضل موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، إلى جانب التطور المتسارع في قدراته العسكرية، استطاع اليمن أن يحوّل الجغرافيا البحرية من مجرد موقع استراتيجي إلى ورقة ردع وضغط قادرة على إرباك حركة التجارة والطاقة وفرض معادلات جديدة على الرياض.
شكّل التطور النوعي الذي حققته القوات المسلحة اليمنية خلال السنوات الماضية تحولًا جذريًا في طبيعة المواجهة؛ إذ انتقلت من الدفاع التكتيكي داخل الجبهات اليمنية إلى امتلاك القدرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى، واستهداف منشآت حيوية واقتصادية، وفرض قيود على حركة السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية.
هذا التحول لم يعد يُقاس بعدد العمليات العسكرية فحسب، بل بحجم التأثير الذي أحدثته في حسابات شركات الملاحة والتأمين والطاقة، وفي قدرة السعودية على حماية سواحلها وموانئها ومشاريعها الاقتصادية الكبرى.
ومن خلال إعلان الحظر على الملاحة المرتبطة بالموانئ السعودية، بات البحر الأحمر ساحة مفتوحة لمعادلة ردع مباشرة: مقابل استمرار القيود المفروضة على الموانئ والمطارات اليمنية، تواجه السعودية مخاطر متزايدة على تجارتها وممراتها البحرية ومصادر دخلها.
برزت أولى التداعيات الميدانية للحظر البحري في اضطرار عدد من سفن الشحن وناقلات النفط المتجهة إلى الموانئ السعودية إلى تعديل مساراتها والالتفاف عبر طريق رأس الرجاء الصالح، تجنبًا للمخاطر المحتملة في البحر الأحمر.
ويضيف هذا المسار ما بين عشرة وأربعة عشر يومًا إلى مدة الرحلة البحرية، الأمر الذي يرفع استهلاك الوقود وأجور الطواقم وتكاليف تشغيل السفن، ويؤخر وصول السلع والمواد الخام إلى الأسواق والمشاريع السعودية.
ولا تتوقف الخسائر عند كلفة الرحلة الإضافية؛ إذ تؤثر عمليات التحويل والالتفاف في انتظام جداول الإمداد، وتقلل من عدد الرحلات التي تستطيع السفن تنفيذها، وتدفع الشركات إلى تضمين المخاطر الأمنية في أسعار الشحن والعقود المستقبلية.
وبذلك تحوّلت الجغرافيا البحرية المحيطة باليمن إلى عنصر ضغط يومي على الاقتصاد السعودي، لا سيما أن الموانئ الغربية للمملكة ترتبط مباشرة بحركة التجارة عبر البحر الأحمر وباب المندب.
أحد أبرز المؤشرات على فاعلية معادلة الردع اليمنية تمثّل في الارتفاع الحاد لأقساط التأمين على السفن والموانئ السعودية.
وبحسب تقديرات متداولة لدى مراقبين للشأن الاقتصادي، ارتفعت أقساط التأمين من نحو 0.1 بالمائة إلى مستويات تتراوح بين 0.7 و1 بالمائة من قيمة السفينة، أي ما يعادل زيادة تتراوح بين سبعة وعشرة أضعاف.
وتُعد هذه الزيادة عبئًا ماليًا كبيرًا، خصوصًا بالنسبة لناقلات النفط والسفن العملاقة التي تُقدّر قيمتها بعشرات أو مئات الملايين من الدولارات. فكل ارتفاع في نسبة التأمين يعني ملايين إضافية تُدفع مقابل الرحلة الواحدة، وتتحملها في نهاية المطاف شركات النقل والمستوردون والمستهلكون.
كما أن استمرار تصنيف البحر الأحمر منطقة مرتفعة المخاطر قد يدفع المزيد من الشركات إلى تجنب الموانئ السعودية، أو فرض شروط مالية أكثر صرامة قبل تشغيل سفنها في المنطقة، وهو ما يضع الرياض أمام أزمة لوجستية متصاعدة لا يمكن حلها بالإجراءات العسكرية وحدها.
انعكست التهديدات والمخاطر البحرية بصورة مباشرة على النشاط التجاري في عدد من أبرز الموانئ السعودية الواقعة على الساحل الغربي، وفي مقدمتها موانئ جدة وينبع وجيزان.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن حركة مناولة الحاويات والبضائع في هذه الموانئ تراجعت بنسب تفاوتت بين 20 و50 بالمائة خلال فترات تصاعد التوتر.
ويحمل هذا التراجع أبعادًا اقتصادية واسعة؛ فميناء جدة الإسلامي يُعد من أهم بوابات الاستيراد السعودية، فيما تمثل ينبع مركزًا حيويًا للصناعات النفطية والبتروكيماوية، وتشكل جيزان نقطة ارتكاز للمشاريع الاقتصادية والتجارية في جنوب غربي المملكة.
وأي تعطيل أو انخفاض في كفاءة هذه الموانئ لا ينعكس على حركة التجارة فقط، بل يمتد إلى المصانع والأسواق وسلاسل التوريد والقدرة على توفير المواد الأساسية وقطع الغيار والتجهيزات الصناعية.
يحظى باب المندب بأهمية استثنائية في منظومة الطاقة العالمية، إذ تمر عبره في الظروف الاعتيادية قرابة 4.8 ملايين برميل من النفط والمشتقات النفطية يوميًا.
ومع تصاعد المخاطر، ارتفعت تكاليف استئجار ناقلات النفط والشحن البحري، بحسب تقديرات مراقبين، بنسب تراوحت بين 40 و60 بالمائة، سواء بسبب مخاطر العبور المباشر أو نتيجة اضطرار السفن إلى اتخاذ المسارات الطويلة حول القارة الأفريقية.
هذه الزيادة لا تعني ارتفاع كلفة التصدير فحسب، بل تعني أيضًا تراجع مرونة الشركات السعودية في الوصول إلى الأسواق، وإرباك الجداول الزمنية للتسليم، وإضعاف القدرة التنافسية للصادرات النفطية والبتروكيماوية.
كما أن أي اضطراب طويل الأمد في الملاحة عبر البحر الأحمر قد يدفع المشترين والمستثمرين إلى البحث عن موردين ومسارات بديلة، ما يحوّل الخطر الأمني المؤقت إلى خسارة اقتصادية واستراتيجية ممتدة.
لم تقتصر انعكاسات الحظر البحري على الموانئ وشركات الشحن، بل وصلت إلى المشاريع التي تضعها السعودية في صدارة خططها الاقتصادية ضمن ما يسمى بـ«رؤية 2030».
وتقع مشاريع ضخمة، في مقدمتها «نيوم» والمشاريع السياحية والعمرانية على الساحل الغربي، في مناطق تعتمد بصورة كبيرة على انتظام وصول مواد البناء والمعدات والتجهيزات التقنية عبر البحر.
ومع تأخر سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، تتعرض الميزانيات التقديرية لهذه المشاريع لضغوط إضافية، كما تتباطأ الجداول الزمنية للتنفيذ، في وقت تواجه فيه الرياض أصلًا تحديات تتعلق بتمويل مشاريعها العملاقة واستقطاب الاستثمارات الأجنبية.
وهنا تبرز خطورة المعادلة اليمنية؛ إذ إنها لا تستهدف فقط حركة تجارية آنية، بل تضغط على الصورة التي تحاول السعودية تقديمها باعتبارها بيئة مستقرة للاستثمار ومركزًا اقتصاديًا ولوجستيًا دوليًا.
سعت الرياض خلال السنوات الماضية إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتساع سواحلها على البحر الأحمر.
غير أن تصنيف المنطقة البحرية المحيطة بالموانئ السعودية منطقة عالية المخاطر يضع هذا الطموح أمام اختبار حقيقي.
فالمراكز اللوجستية الكبرى لا تقوم على الموانئ والبنية التحتية وحدهما، بل تحتاج إلى بيئة آمنة وتكاليف تشغيل مستقرة وثقة دائمة من شركات النقل والتأمين والمستثمرين.
وعندما تصبح السفن مضطرة إلى تغيير مساراتها، وتفرض شركات التأمين رسومًا مضاعفة، وتتراجع حركة الحاويات، فإن الميزة الجغرافية تتحول من فرصة اقتصادية إلى عبء أمني ومالي.
ويضاف إلى ذلك ارتفاع الإنفاق العسكري والأمني اللازم لحماية المنشآت والسواحل والممرات البحرية، ونشر منظومات الرصد والدفاع، وتأمين الموانئ والناقلات، في ظل عدم وجود ضمانات فعلية تمنع استمرار العمليات اليمنية أو توسعها.
تؤكد معادلة الحظر البحري أن أمن الملاحة في البحر الأحمر لم يعد منفصلًا عن حقوق الشعب اليمني وأمن موانئه ومطاراته.
فاستمرار القيود على ميناء الحديدة ومطار صنعاء وبقية المنافذ اليمنية يفتح المجال أمام رد مماثل يربط بصورة مباشرة بين حركة الموانئ اليمنية واستقرار الموانئ السعودية.
وقد أكدت تحذيرات قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، في أكثر من خطاب، أن استمرار العدوان والحصار سيقابل بمزيد من التصعيد والضغط الاقتصادي، وأن من يريد الأمان لملاحته واقتصاده عليه إنهاء حصار الشعب اليمني ووقف العدوان عليه.
وتختصر هذه الرسالة جوهر المعادلة الجديدة: لا يمكن للسعودية أن تفرض الحصار على اليمن، ثم تطالب في الوقت نفسه بحماية سفنها وموانئها من تبعات ذلك الحصار.
استطاع اليمن عبر الردع البحري أن ينقل المواجهة من ساحة غير متكافئة عسكريًا واقتصاديًا إلى ساحة تملك فيها الجغرافيا والقدرات الصاروخية والبحرية تأثيرًا مباشرًا في حسابات الخصم.
كما أثبت أن الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على الموانئ وخطوط الطاقة والتجارة العالمية يمكن أن تتعرض لضغط بالغ حتى دون خوض حرب بحرية تقليدية واسعة.
فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر، وتغير تقييمات شركات التأمين، وتحويل مسارات السفن، كفيل بإحداث خسائر تراكمية تتجاوز في بعض الأحيان الخسائر الناتجة عن الاستهداف المباشر.
وتكمن قوة هذه المعادلة في أن تداعياتها لا تتوقف بانتهاء العملية العسكرية، بل تستمر في عقود التأمين وأسعار الشحن وقرارات المستثمرين ومسارات السفن ومستويات الإنفاق الأمني.
أثبتت معادلة الحظر البحري اليمني أن أمن البحر الأحمر والاقتصاد والملاحة الدولية منظومة واحدة لا تقبل التجزئة.
فكل يوم يستمر فيه الحصار المفروض على الموانئ والمطارات اليمنية يقابله ارتفاع في كلفة الملاحة السعودية، وتراجع في كفاءة الموانئ، واضطراب في سلاسل التوريد، وضغط على قطاع الطاقة والمشاريع الاستثمارية.
ولذلك، فإن إنهاء القيود عن اليمن لم يعد مطلبًا إنسانيًا وسياسيًا فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية لضمان استقرار الملاحة في المنطقة.
أما استمرار الرياض في تجاهل هذه الحقيقة، فلن يؤدي إلا إلى تحويل الحصار الذي فرضته على اليمن إلى طوق اقتصادي يلتف تدريجيًا حول موانئها ومشاريعها وخططها المستقبلية.
المعادلة باتت واضحة: الميناء بالميناء، والحصار بالحصار، ولا أمن للاقتصاد السعودي ما دام الشعب اليمني محرومًا من حقه في الوصول الحر إلى موانئه ومطاراته.
التعليقات مغلقة.