اليمن في 2035.. بين “الانفجار السكاني” و”الفرصة التنموية”: تقريرٌ يضع صُناع القرار أمام الحقيقة
صنعاء سيتي | تقرير خاص
في لحظة تاريخية فارقة، يضع “تقرير حالة سكان اليمن 2026” المجتمع اليمني ودولته أمام مرآة الواقع؛ حيث لم تعد الديموغرافيا مجرد أرقام في ملفات الأمانة العامة للمجلس الوطني للسكان، بل تحولت إلى “جرس إنذار” استراتيجي يرسم ملامح العقد القادم. التقرير الذي يغطي التوقعات حتى عام 2035، يكشف عن معادلة صعبة: كتلة بشرية شابة ومتزايدة، في مقابل تحديات اقتصادية وتنموية فرضها عقدٌ من العدوان والحصار.
يشير التقرير إلى أن اليمن يعيش اليوم مرحلة ديموغرافية مفصلية، بتعداد سكاني يقدر بـ 35.3 مليون نسمة، وبمعدل نمو سنوي يصل إلى 2.8%. الأرقام الصادمة لا تتوقف هنا، فالتقرير يؤكد أننا على أعتاب إضافة 11 مليون نسمة خلال أقل من عقد واحد، ليصل إجمالي السكان إلى 46.7 مليوناً بحلول عام 2035.
هذه الكتلة البشرية، التي يشكل الأطفال فيها 40% من السكان، تمثل “ثروةً وطنية” إذا أُحسنت إدارتها، أو “تحدياً وجودياً” إذا تُركت للجمود الاقتصادي.
لا يقرأ التقرير الديموغرافيا في فراغ، بل يربطها بجرح غائر خلفه الحصار منذ عام 2015. ستة ملايين نازح داخلياً حتى عام 2024 غيروا وجه الخريطة السكانية، وضاعفوا الضغط على المدن المستضيفة، مما أدى إلى:
-
تآكل الخدمات: إضعاف قدرة المؤسسات التعليمية والصحية على مواكبة الزيادة المطردة.
-
نزيف الموارد: استنزاف حاد للمياه الجوفية نتيجة التوسع السكاني والزراعي غير المنظم.
-
ججوة البيانات: يؤكد الأمين العام المساعد للمجلس، مطهر زبارة، أن غياب التعداد السكاني والمسوحات الوطنية الشاملة بسبب العدوان يجعل إعادة بناء “منظومة البيانات” أولوية استراتيجية قصوى، فالقرار الذي لا يستند إلى أرقام دقيقة هو قرارٌ لا يرى نصف الحقيقة.
يحدد التقرير ثلاثة قطاعات حيوية تمثل “اختباراً للمستقبل”:
-
التعليم: نحن أمام حاجة ماسة لبناء آلاف الفصول الدراسية وتعيين عشرات الآلاف من المعلمين لمجرد الحفاظ على “مستوى التغطية الحالي”. أي تأخير يعني تراجعاً حتمياً في جودة المخرجات.
-
سوق العمل: التحدي الأكبر (2025-2035) يتمثل في دخول 6.5 مليون شخص إضافي إلى سن العمل. هنا يكمن الخطر: إذا لم تُخلق فرص عمل منتجة، فإن البطالة والفقر سيصبحان التهديد الاجتماعي الأول.
-
المياه: الاستدامة المائية ليست رفاهية، بل هي “عنق الزجاجة” الذي قد يعيق أي مسار تنموي إن لم ترتبط بإدارة سكانية رشيدة.
يقدم التقرير إجابة واضحة: الفرصة الديموغرافية ليست حتميةً إيجابية، بل هي “احتمالٌ مشروط”. إنها مشروطة بسياسات اقتصادية نشطة، واستثمارات إنتاجية كثيفة العمالة، وتدريب مهني نوعي. يمتلك اليمن قاعدة شبابية هي “وقود المستقبل”، ولكن تحويلها إلى قوة إنتاجية يتطلب الانتقال من “التخطيط التقليدي” إلى “التخطيط المبني على البيانات”.
إن تقرير حالة سكان اليمن لعام 2026 ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو وثيقة تفرض على الجميع – من أجهزة الدولة إلى القطاع الخاص والمبادرات المجتمعية – مراجعة أولوياتهم.
اليمن اليوم يقف في “مفترق طرق ديموغرافي”؛ فإما استيعاب هذه الطاقة البشرية في مسارات تنموية، أو تركها لتكون عامل ضغط إضافي على جبهة الصمود الاقتصادي.
التعليقات مغلقة.