اليمن وعاشوراء.. بين الإرث التاريخي والواقع الجيوسياسي
صنعاء سيتي | مقالات | مبارك حزام العسالي
تتجاوز قراءة الأحداث التاريخية الكبرى في المنطقة العربية مُجَـرّد السرد التقليدي للمناسبات، لتتحول في كثير من الأحيان إلى أدوات تحليلية وتفكيكية لفهم الواقع السياسي المعاصر.
وتأتي ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (عاشوراء) هذا العام في وقت يشهد فيه الإقليم تحولات جيوسياسية متسارعة، يعاد فيها ترسيم موازين القوى بناءً على معادلات الردع والسيادة التي فرضتها جبهات المقاومة.
وفي المشهد اليمني، لا يمكن عزلُ التفاعُل مع هذه الذكرى عن السياق العام المعقد الذي تعيشه البلاد منذ سنوات، حَيثُ يتقاطع الموروث الرمزي للتاريخ مع المصالح الاستراتيجية العليا والتحولات العسكرية والسياسية على الأرض، ليرسم لوحة فريدة من الصمود النظري والعملي.
إن واقعةَ الطف في العاشر من محرم عام 61 للهجرة شكلت دلالة فارقة أعادت رسم خارطة الحق والباطل في التاريخ الإسلامي؛ إذ تكتسب الأبعاد السياسية لثورة كربلاء قيمتها من كونها أطلقت شعار “الإصلاح” الذي رفعه السبط الشهيد كمنهجية عمل ترفض الخنوع البنيوي وتؤسس لمنطق المقاومة الواعية.
هذا المنهج يجد انعكاسه اليوم بشكل جلي في تفاصيل المشهد اليمني، كامتزاج بين الوعي القيمي الراسخ وبين المعطيات الجيوسياسية المعاصرة التي فرضت على صنعاء انتزاع سيادتها الوطنية الكاملة وإعادة تموضعها كلاعب رئيسي ومحوري في جغرافيا البحر الأحمر والمنطقة برمتها.
وهنا يبرز التقاطع الموضوعي بين الذاكرة التاريخية والواقع العملي؛ فحين يواجه اليمن اليوم مشاريع الهيمنة الدولية والوصاية الخارجية، فإنه ينطلق من إيمان استراتيجي بأن السيادة لا تُوهب بل تُنتزع.
ويتجلى هذا الأمر بوضوح في معادلة الحصار المفروض على البلاد، حَيثُ يعيد التاريخ التذكير بنفسه عبر مقاربة وجدانية تربط بين حصار الماء التاريخي في كربلاء وبين الحصار الاقتصادي الشامل الذي يواجهه الشعب اليمني كأدَاة لتركيعه سياسيًّا.
بيد أن النتيجة العملية في اليمن تجاوزت مُجَـرّد الصمود المعنوي والوجداني، لتتحول إلى رافعة حقيقية لبناء استراتيجية عسكرية واقتصادية متكاملة تهدف للاعتماد على الذات، وتجلى ذلك في القفزات النوعية لتطوير قدرات الردع الباليستية والفرط صوتية وسلاح الجو المسير الذي قلب قواعد الاشتباك التقليدية المفروضة إقليميًّا ودوليًّا.
امتزاج الإرث التاريخي بالواقع المعاصر يتعدى جغرافيا الداخل اليمني ليصل إلى صلب القضايا القومية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية؛ فالانخراط اليمني المباشر وغير المسبوق في إسناد المقاومة في قطاع غزة وكذلك في لبنان وإيران، على الرغم من كلفة الحرب الباهظة في ظل استمرار الحصار الجائر، يمثل تحولًا جيوسياسيًّا كَبيرًا يتجاوز أطر التضامن العاطفي التقليدي؛ إنه تعبير عن رؤية يمنية ناضجة ترى أن الأمن القومي لليمن والمنطقة مرتبط ارتباطًا وثيقًا بإنهاء الهيمنة الصهيونية والأمريكية، مما يجعل التحَرّك اليماني ترجمة سياسية وعسكرية منظمة ومدروسة لتلك المبادئ التي ترى في الحياد والقعود أمام الظلم خذلانًا مطلقًا للإنسانية وللقيم الجامعة.
هذا الصعودُ اليماني على المسرح الإقليمي والدولي يرافقه بالضرورة صراع سرديات حاد في فضاء الحرب الناعمة والنفسية؛ وكما واجهت النهضة الحسينية في عصرها تضليلًا إعلاميًّا ضخمًا حاول تشويه حركتها وتصويرها كخروج عن النسق العام، يواجه اليمن اليوم ترسانة إعلامية دولية موجهة تسعى لشيطنة مواقفه الأخلاقية والدينية والقومية وحضوره السياسي عبر قوالب جاهزة تحاول تصويره كجزء من أجندات بالوكالة؛ وهنا تبرز أهميّة البصيرة والوعي المجتمعي كأدَاة تحصين؛ حَيثُ يسهم الربط الواعي بين الدروس النضالية التاريخية والواقع المعاش في فرز المواقف وتفكيك الخطاب المعادي، محولًا التحديات التضليلية إلى نقاط قوة تعزز التلاحم الشعبي والالتفاف حول القيادة لمواجهة كافة الضغوط السياسية والاقتصادية.
في المحصلة، تثبت القراءاتُ الاستراتيجية للأحداث أن الشعوب التي تمتلك مشروعًا تحرّريًّا مستقلًا نابعًا من هُويتها وثقافتها، وتدير معركتها بوعي سياسي وعسكري دقيق، هي القيّمة والقدرة على الصمود وتغيير الموازين لصالحها مهما بلغت غطرسة القوة المادية المعاصرة؛ واليمن اليوم، وهو يستحضر العِبر والدروس من محطات التاريخ النضالي، يضع نصب عينيه هدفًا استراتيجيًّا لا مساومة فيه وهو تحقيق الاستقلال الناجز وتطهير كامل ترابه الوطني من دنس الغزاة والمحتلّين.
إن القوةَ الحقيقيةَ للمسيرة القرآنية التي انطلقت من اليمن تكمُنُ في هذا المزيج المتوازن بين الإرث القيمي التحرّري وبين القراءة الواقعية والذكية لموازين القوى الدولية، مما جعل من اليمن رقمًا صعبًا في معادلة المنطقة، وجبهة عصية على الانكسار والترويض.
التعليقات مغلقة.