اليمن.. حين تتحطّمُ أسوار العدوان على صخرةِ الإيمان والحكمة
صنعاء سيتي | مقالات | حسين بن محمد المهدي
أرض المدد ومنبعُ العزة
{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}
منذ فجر التاريخ، كان اليمن -ولا يزال- رقمًا صعبًا في معادلة الأُمَّــة العربية والإسلامية، فهو البلدُ الذي شهد له الرسولُ الأكرمُ صلى الله عليه وسلم بالإيمان والحكمة.
إنَّ تاريخَ الإسلام يروي بمداد من نور كيف قامت دولةُ النبوة والخلافة الراشدة على أكتاف وسواعد أهل اليمن، وكيف انطلقت فتوحاتهم لتصلَ إلى قلب أُورُوبا بقيادة موسى بن نصير، وتتجاوز أسوار فرنسا مع عبد الرحمن الغافقي، وتشرق شمسُ الإسلام في الصين وجنوب شرق آسيا بأخلاقهم وتجارتهم وعزمهم.
هم أهلُ القوة والبأس الشديد الذين خُلِّدَ ذكرُهم في محكم التنزيل، فيما حَكَوه لملكتِهم: {نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ}.
ولم يكن هذا المجد الذي حازه اليمنُ وليدَ لحظةٍ عابرة، ولا ثمرةَ ظرفٍ طارئ، وإنما هو امتدادٌ لتاريخٍ طويلٍ من الصبر والبذل والجهاد والعطاء.
فكلما تعرّض اليمنُ لمحاولة إخضاع أَو استلابٍ، ازداد تمسكًا بهُويته وإيمانه واستقلاله، حتى غدت المقاومةُ فيه ثقافةً متوارثة، والصمودُ سجيّةً راسخة، والعزةُ عنوانًا ملازمًا لأبنائه.
ومن هنا لم يكن مستغرَبًا أن يتحوَّلَ الحصارُ إلى دافعٍ للاعتماد على الذات، وأن تتحوَّلَ المحنةُ إلى منحة، وأن يخرُجَ اليمنُ من بين ركام العدوان أكثر قوةً وثباتًا وأشدَّ حضورًا في معادلات المنطقة والأمة.
خِذلان واستكبار: بشاعة العدوان وظلم ذوي القربى
قبل عقد من الزمن، تداعت قوى البغي والعدوان، مدفوعةً بأطماعِها وأهوائها، وتحتَ غطاء من الدعم الخارجي والتقنيات العسكرية المتطورة، لشنّ عدوانٍ غاشم حاصر اليمن أرضًا وإنسانًا.
لقد تجاوز هذا العدوانُ كُـلَّ الخطوط الحمراء، وارتكب أبشع المنكرات والجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية:
•استهداف دُور العبادة: هدم المساجد وقتل المصلين والعلماء الإجلاء وهم ركع سجود.
•تحويل الأفراح إلى مآتم: قصف صالات الأعراس واستهداف المدنيين العزل من النساء والأطفال والمسنين.
•استهداف الفئات المستضعَفة: قصف دور المكفوفين والعجزة في سلوك مستكبر يعيد إلى الأذهان طغيان فرعون واستخفافه بالبشر.
لقد ظن هؤلاء المستكبرون، الذين تبنّوا عقلية العُجب والكبر، أن بإمْكَانهم إذلالَ شعبٍ بأكمله والاستيلاء على خيراته، متناسين سنن الله الكونية في إهلاك الظالمين ومآلات الغرور التي تقود أصحابها دائمًا إلى مهاوي الهلكة ودار البوار.
معجزة الصمود: من الحصار إلى الصواريخ الفرط صوتية
لكن “أُسود اليمن” وأهل الحكمة فيه أبوا الخنوع.
ومن رحم المعاناة، وتحتَ وطأة الحصار الشديد، تجلت حكمةُ اليمانيين وسداد رأيهم.
فلم يستسلموا، وإنما استعانوا بخالقِهم وشمَّروا عن سواعدهم، وامتلكوا ناصيةَ العلم والتقنيات العسكرية الحديثة.
وفي تحوُّلٍ استراتيجي أذهل العالم، استطاع اليمنُ صناعة:
•المدرعات والطائرات المسيَّرة المتطورة.
•الصواريخ الباليستية والفرط صوتية.
هذا العتاد الحربي القوي بات اليوم قادرًا على دَكِّ عروش المستكبرين وملاحَقة المجرمين ومن يقف وراءهم في مختلف قارات الأرض، ليعيد لليمن كرامته، ويرفع هامته إلى عنان السماء.
إن اعتصامَ اليمنيين بربهم، وثقتَهم بخالقهم، ويشعُرُ الناسُ جميعًا بأنهم من أهل التقوى، وقد وعد اللهُ المتقين بالفرج والنصر العظيم: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} {ذلِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.
وَمَنْ جَعَلَ التُّقَى لِلرُّوحِ نُورًا ** أَضَاءَ لَهُ الدُّجَى ضوءا ولَاحَا
وَمَنْ يَرْجُو مِنَ الرَّحْمَنِ فَضْلًا ** سَيَلْقَى فِي جَوَانِبِهِ الْفَلَاحَا
وَمَا كُـلّ الْهُمُومِ بِمُسْتَقِرٍّ ** إذَا انْقَشَعَتْ سَتُعْقِبُهَا أنفساحَا
فَكَمْ مِنْ كُرْبَةٍ ظُنَّتْ هَلَاكًا ** وَكَانَ بِطَيِّهَا فَرَجٌ أَتَاحَا
وَإِنْ ضَاقَتْ بِكَ الدُّنْيَا لِحِينٍ ** فَعِنْدَ اللهِ تَكْتَسِبُ النَّجَاحَا
إِذَا سَلِمَ الْفُؤَادُ مِنَ الدَّنَايَا ** رَأَى سُبُلَ الْهُدَى غُدُوًّا وَرَاحَا
إنها الحكمةُ اليمانية والاعتصام بالله والوثوق به والتوكل عليه {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّـهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}
مآلات الطغيان والدعوة إلى اليقظة
إن ما تشهدُه المنطقةُ اليومَ من غطرسة صهيونية تعيثُ فسادًا في الأرض، وتنتهكُ حُرمة القدس الشريف، يتلاقى تمامًا مع سلوك أُولئك الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار، {أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ} فالكبر والعجب والارتهان لأعداء الأُمَّــة لا يورث إلا الخسران في الدنيا والآخرة.
رسالة إلى الأُمَّــة الإسلامية:
إن الواجب الديني والأخلاقي يحتمُّ على أحرار الأُمَّــة اليوم اليقظة والاعتصام بحبل الله المتين، ونبذ الخلافات، والالتفاف حول نصرة الحق وأهله في اليمن وفلسطين وكل ثغور الأُمَّــة.
إن التخاذل أمام غطرسة الباطل سيعود بالوباء على الجميع، فالتمسك بكلمة التوحيد والامتثال لقول العزيز الحميد فيه العزة والفلاح، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ، تُؤْتِي أُكُلَها كُـلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرض ما لَها مِنْ قَرارٍ، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخرة وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ}.
إن التقوى التي يتحلى بها أهل اليمن وقيادته مفتاح للنصر.
ألا إنَّ التُّقى حِصْنٌ منيعٌ ** يُجِيرُ المرءَ من سُبُلِ الجِراحا
ومن جعلَ الإلهَ له دليلًا ** رأى في كُـلّ نازلةٍ نجاحا
إذا ما اشتدَّ ليلُ الخطبِ يومًا ** أتى فجرُ اليقينِ له صباحا
ومن صبرَ الجميلَ على الرزايا ** جنى من صبرِه ظفرًا مباحا
ولم أرَ مثلَ حُسنِ الظنِّ كنزًا ** يشيعُ بقلبِ صاحبه انشراحا
وكم سترَ الإلهُ ذنوبَ قومٍ ** فأبدلَ بعدَ عُسرِهمُ صلاحا
ومن لزمَ المكارمَ كان حرًّا ** وإن ملكَ الأنامُ له السلاحا
وكم من عاقلٍ زانَتْهُ حِلمًا ** فأورثه الوقارَ مع السماحا
إذا ما المرءُ أخلصَ في مساعٍ ** رأى من فضلِ ربِّه ما أتاحا
فلا تغتررْ بزخرفِ كُـلّ دنيا ** فإنَّ الموتَ يُتبعُها رواحا
وخيرُ الناسِ من عمرتْ أياديـ ** ـهُ للمعروفِ فانكشفَ الكفاحا
أُولئك في البريَّةِ خيرُ ذكرٍ ** وأبقى اللهُ آثارًا فِساحا
نصر الله قادم
سيبقى اليمن، كما كان دائمًا، منبع الإيمان والحكمة والمدد.
وستظل تضحيات أبنائه منارة تضيء طريق الحرية والاستقلال.
وليعلم الظالمون أن عاقبة البغي وخيمة، وأن قدرة اليمن اليوم على ردعهم وسحق مؤامراتهم باتت حقيقة لا مفر منها، فمن كان الله معه لا يُغلب أبدًا، والعاقبة للمتقين.
الاعتصام بحبل الله المتين ونبذ الفرقة والشتات أَسَاس للنجاح فالأمة العربية والإسلامية مدعوة إلى وقوف صفًا واحدًا، ونصرة أهل اليمن، ونصرة الإسلام والمسلمين في إيران ولبنان والعراق وفي فلسطين في معركتهم المصيرية ضد الصهيونية وأعوانها.
خاتمة
ليعلم العالم أجمعُ أن اليمنَ لن يُقهر، وأن المحن لا تزيد هذا الشعب العظيم إلا صلابة وقوة.
إن الدماءَ الزكية التي سُفكت ستبقى وقودًا لمعركة التحرير الكبرى واستعادة الحقوق.
فابشروا يا أهلَ اليمن بالفتح المبين، فالله سبحانَه وتعالى يقول: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ} وَيا أهلَ البغي تجرَّعوا غصص الهزيمة والنكال، التي ستحل بكم {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.
فمن ينصره الله فلا غالبَ له، وهو على كُـلّ شيء قدير.
فاليمنُ اليومَ لا يدافعُ عن أرضه فحسب، وإنما يجسِّدُ إرادَةَ أُمَّـة تأبى الذل، ويحملُ رايةَ حقٍّ لا تنكسر، ويؤكّـدُ للأجيال أن الإيمانَ إذَا اقترن بالبصيرة، والصبر إذَا اقترن باليقين، فإن الجبالَ تزول ولا تزول إرادَة الأحرار.
وسيبقى وعدُ الله حقًّا، وسيبقى اليمنُ منارةً للعزة والصمود حتى يقضيَ اللهُ أمرًا كان مفعولًا.
{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
* عضو رابطة علماء اليمن
التعليقات مغلقة.