“عقيدة سحق الأدوات”: لندن تصفّي جاسوسها في عدن بـ”رصاصة صامتة”.. هكذا يُلقى بالخونة في سلة مهملات الاستخبارات
صنعاء سيتي | تقرير
تعيش مدينة عدن اليوم حالة من الاستباحة الأمنية الشاملة التي حولتها إلى ساحة مفتوحة لتصفيات استخباراتية معقدة، حيث لم تعد الاغتيالات مجرد حوادث عابرة ناتجة عن انفلات محلي، بل أصبحت تعكس استراتيجية “التخلص من النفايات” التي تنتهجها أجهزة استخبارات دولية تجاه وكلائها المحليين. إن مشهد اختطاف وتصفية “وسام قائد” في وضح النهار بمدينة إنماء، ثم العثور على جثته في منطقة الحسوة، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع يتعلق بالأدوار القذرة التي تمنحها القوى الخارجية لأدواتها ثم تنهيها برصاصة باردة فور انتهاء الغرض الوظيفي منها، وهو ما يؤكد أن المدينة باتت مختبراً لعمليات “التنظيف” الاستخباراتي التي تجري خلف ستار الفوضى الأمنية الممنهجة.
إن تصفية وسام قائد، الذي يُصنف كأحد أخطر الجواسيس المجنسين لصالح المخابرات البريطانية، تكشف عن طبيعة العلاقة النفعية والخطرة بين المشغّل والأداة في مناطق الصراع؛ فالعملية لم تكن تصفية جنائية عادية، بل كانت “إعداماً وظيفياً” لهدف استنفد طاقته المعلوماتية وأصبح يشكل عبئاً أو خطراً محتملاً على مشغليه. هذه الواقعة تعيد تسليط الضوء على الدور التخريبي الذي تلعبه المخابرات الخارجية في ضرب البنية التحتية المعلوماتية للبلاد، وتحديداً من خلال استهداف قواعد بيانات حيوية مثل تلك الخاصة بالصندوق الاجتماعي للتنمية، مما يجعل من الخيانة عملاً يتجاوز حدود التجسس التقليدي إلى مربع التدمير الممنهج لمقدرات الشعب لرهنها بيد القوى الدولية.
لندن وإدارة شبكات التخريب
تعتمد الاستراتيجية البريطانية في إدارة وكلائها في اليمن على بناء خلايا “عنقودية” متخصصة لا تكتفي بجمع المعلومات العسكرية التقليدية، بل تمتد لتشمل السيطرة على مفاصل الاقتصاد الرقمي والمعلوماتي للدولة، وهو نهج يعيد إنتاج أساليب الاستعمار القديم بأدوات تقنية حديثة. إن المخابرات البريطانية (MI6) توظف عناصر مزدوجة الجنسية مثل “وسام قائد” لتسهيل نفاذهم إلى المؤسسات الحادية عشرة تحت غطاء الخبرات الفنية، مما يمنح لندن القدرة على تفكيك مؤسسات الدولة من الداخل وتحويل بيانات السيادة الوطنية إلى أوراق ضغط في غرف العمليات الدولية، حيث يتم استغلال هذه الشبكات في رصد تحركات المعارضين وتجفيف منابع الدعم اللوجستي للداخل الوطني.
وتشير الشواهد الميدانية في عدن إلى أن لندن لم تكتفِ بالدعم اللوجستي للفصائل المسلحة، بل أنشأت “غرفاً تقنية” موازية تعمل على سحب البيانات الحساسة عبر وسطاء محليين تم تدريبهم على تقنيات التشفير والاختراق السيبراني، وهو ما يفسر النشاط الكثيف للجواسيس في مراكز القرار المالي والتنموي. إن إدارة التخريب البريطانية في اليمن تتجاوز مفهوم التجسس الفردي إلى مفهوم “التخريب الهيكلي”، حيث يتم استهداف الكوادر الفنية والمؤسسات الإرادية لإحداث حالة من الشلل التام، مما يجعل العميل مجرد برغي في ماكينة ضخمة تدار من وراء البحار، وبمجرد أن يتعرض هذا البرغي للصدأ أو الملاحقة الأمنية، يتم سحقه فوراً لضمان عدم انكشاف بقية أجزاء الماكينة التخريبية.
وفي سياق هذه الإدارة الممنهجة، تبرز عمليات “التصفية الهادئة” كأداة أساسية للحفاظ على سرية العمليات الاستخباراتية البريطانية، إذ إن بقاء عميل مثل “وسام قائد” حياً بعد انكشاف أمره يشكل تهديداً مباشراً لشبكة المصالح البريطانية في خليج عدن ومضيق باب المندب. إن التخلص منه في منطقة “الحسوة” بعد اختطافه من “إنماء” يحمل رسالة واضحة لكل الأدوات المحلية بأن الحماية البريطانية تنتهي عند حدود المصلحة الوطنية للندن، وأن السياسة التحريرية لمشغلي الجواسيس تعتمد مبدأ “الاستخدام ثم المحو”، مما يؤكد أن التواجد الاستخباراتي البريطاني في الجنوب اليمني هو المصدر الأول لحالة اللااستقرار والقتل المنظم التي تفتك بالكوادر المحلية.
بيانات السيادة وسلاح التجويع
يمثل اختراق قواعد بيانات الصندوق الاجتماعي للتنمية، الذي نفذه “وسام قائد” بتوجيه مباشر من لندن، جريمة حرب اقتصادية متكاملة الأركان، حيث إن هذه البيانات تحتوي على الخرائط الدقيقة لخطوط الفقر، وتوزيع المعونات، والبيانات الشخصية لمئات آلاف الأسر المعتمدة على المساعدات الدولية. إن تسريب هذه المعلومات للمخابرات البريطانية مكن المحتل من التحكم في “شريان الحياة” لليمنيين، واستخدام سلاح المساعدات كأداة للابتزاز السياسي وتجنيد المزيد من الجواسيس مقابل لقمة العيش، مما حول العمل الإنساني إلى غطاء لعمليات استخباراتية قذرة تستهدف إخضاع الشعب عبر تجويعه الممنهج بناءً على إحصائيات دقيقة مسروقة.
إن النتائج المترتبة على سرقة هذه الأسرار التنموية لم تتوقف عند حد التجسس، بل أدت مباشرة إلى قطع أرزاق آلاف الموظفين والمهنيين الذين تم شطب أسمائهم من كشوفات الدعم الدولي بناءً على تقارير “كيدية” رفعتها المخابرات البريطانية باستخدام البيانات المسربة، مما خلق حالة من الفوضى المعيشية المتعمدة. هذا النوع من “الإرهاب المعلوماتي” يثبت أن الأهداف البريطانية لا تتعلق فقط بالجانب العسكري، بل تهدف إلى تدمير النسيج الاجتماعي والقدرة الذاتية لليمنيين على الصمود، عبر تحويل البيانات الوطنية إلى “بنك أهداف” للضغط الاقتصادي الذي تمارسه لندن وواشنطن في المحافل الدولية لفرض إملاءات سياسية تخدم أجندة الاحتلال.
وعلاوة على ذلك، فإن “وسام قائد” ومن خلفه المشغل البريطاني، عملوا على رهن لقمة عيش المواطن للخارج عبر تدمير مصداقية المؤسسات الوطنية وإحلال آليات دولية مشبوهة مكانها، مما جعل المواطن اليمني مكشوفاً بالكامل أمام الأجهزة الاستخباراتية التي باتت تعرف عن “احتياجات الأسرة” أكثر مما تعرفه الدولة نفسها. إن هذا الاختراق يمثل أعلى درجات الخيانة الوطنية، لأنه يضع رقاب الجوعى تحت مقصلة المستعمر، وهو ما يفسر لماذا اعتبرت الأجهزة الأمنية “قائد” صيداً ثميناً وخطراً داهماً، ولماذا سارعت لندن لتصفيته قبل أن ينطق بالحقيقة المرة التي تكشف كيف يطبخ “السم” للشعب اليمني في مطابخ الاستخبارات البريطانية تحت مسمى “المعونات”.
بروتوكول نهاية الأداة الوظيفية
تخضع عمليات تصفية العملاء في القاموس البريطاني لبروتوكول صارم يُعرف بـ “التخلص من النفايات المعلوماتية”، وهو إجراء يتم تفعيله فور تحول العميل من “مصدر” إلى “عبء أمني” يهدد بكشف الشبكة الأم. في حالة وسام قائد، فإن وضعه على قوائم المطلوبين أمنياً وتصاعد المطالبات بمحاكمته بتهمة الخيانة العظمى، جعل من استمراره حياً مخاطرة غير محسوبة للمخابرات البريطانية التي تخشى من اعترافاته حول “غرف لندن” لسرقة البيانات، فكان قرار الاختطاف والتصفية في منطقة الحسوة هو الحل العملي لإغلاق الملف نهائياً وضمان عدم تسرب أي خيوط تدين المشغلين الدوليين في جرائم نهب الأسرار الوطنية.
إن الطريقة التي تمت بها التصفية—اختطاف في وضح النهار أمام العامة ثم القتل بدم بارد—تحمل بصمات المدارس الاستخباراتية التي تريد إيصال رسالة “ترهيب” مزدوجة؛ فهي من جهة تتخلص من أداة منتهية الصلاحية، ومن جهة أخرى ترهب بقية العملاء من مغبة التفكير في التوبة أو التواصل مع الأجهزة الوطنية. هذا البروتوكول لا يعرف الوفاء ولا يعترف بـ “الخدمات الجليلة” التي قدمها الخائن، بل ينظر للعميل كقطعة غيار تم استهلاكها بالكامل، وبمجرد أن يصبح بقاؤه مكلفاً سياسياً أو مهدداً للأمن العملياتي، يتم تفعيل “خيار الرصاصة” الذي ينهي مسيرة الخيانة في مستنقع مجهول، ليبقى المشغل خلف الستار يراقب بصمت سقوط أدواته الواحدة تلو الأخرى.
مصير المحو التاريخي للعملاء
إن التاريخ الاستخباراتي العالمي يغص بنهايات مأساوية لعملاء ظنوا أن الجوازات الأجنبية ووعود الحماية ستقيهم من غدر المشغلين، لعل أبرزهم “رافائيل تروخيو” في جمهورية الدومينيكان الذي دعمته الاستخبارات الأمريكية لعقود ثم انتهى مصيره بالتصفية الجسدية فور انتهاء دوره الوظيفي. وبالمثل، فإن العديد من الجواسيس الذين تم تجنيدهم في العراق ولبنان وسوريا لصالح المخابرات الغربية، وجدوا أنفسهم وحيدين في مواجهة مصيرهم المحتوم بمجرد أن أصبحت رؤوسهم مطلوبة للعدالة أو أصبحت معلوماتهم “قديمة”، حيث يتم التخلص منهم في عمليات “نيران صديقة” أو اغتيالات غامضة تُنسب لمجهولين، تماماً كما حدث مع وسام قائد في “الحسوة”.
هذه الحتمية التاريخية للمحو تؤكد أن “الخائن” لا يمتلك قيمة ذاتية لدى المشغل، بل هو مجرد “وسيلة” لغاية معينة، وبمجرد انتهاء الغرض من الوسيلة، يتم إتلافها فوراً لمنع أي ارتدادات عكسية قد تصيب المركز. إن المخابرات البريطانية تحديداً، وتاريخها في عدن خلال الستينات يشهد على ذلك، اعتادت على ترك عملائها لمواجهة مصيرهم المحتوم أو تصفيتهم جسدياً لمنع كشف أسرار العمليات القذرة التي استهدفت الثوار آنذاك. وسام قائد ليس سوى تكرار لمأساة هؤلاء الذين باعوا وطنهم ليشتروا “موتاً ذليلاً” برصاص مشغليهم، مؤكداً أن العميل هو الوحيد الذي يدفع ثمن خيانته مرتين: مرة بنبذ مجتمعه ومرة بغدر أسياده.
وفي نهاية المطاف، فإن مشهد جثة “وسام قائد” الملقاة في أطراف عدن يجب أن يظل ماثلاً أمام أعين كل من تسول له نفسه الارتهان للخارج، فالخيانة طريق ذو اتجاه واحد ينتهي دائماً في حفرة مظلمة. إن القوى الاستعمارية التي تستخدم الجواسيس لضرب استقرار الشعوب، لا تتردد لحظة واحدة في مسح أسمائهم من السجلات بضغطة زناد، لأنها تدرك أن من خان وطنه لن يكون وفياً لمشغله، وبالتالي فإن “التصفية الجسدية” هي الخاتمة المنطقية لعملية “التجنيد القذرة”، حيث لا عزاء للعملاء ولا شكر، بل فقط رصاصة باردة ومصير مخزٍ يمحو كل أثر لخدماتهم الخائبة.
نهاية الخيانة الحتمية
في نهاية المطاف، تظل قصة وسام قائد درساً بليغاً لكل من تسول له نفسه الارتماء في أحضان المخابرات الأجنبية والعمل ضد سيادة وطنه وأرزاق شعبه؛ فالرصاصات التي استقرت في جسده لم تكن مجرد فعل إجرامي، بل كانت “توقيعاً” أخيراً من المشغل على انتهاء عقد الخدمة بالدم. إن العملاء في عرف القوى الدولية ليسوا شركاء، بل هم مجرد أجزاء في ماكينة تخريبية، وبمجرد أن يصيب هذه الأجزاء الصدأ أو الملاحقة، يتم استبدالها بقطع جديدة بعد سحق القديمة، لتظل قواعد اللعبة الاستخباراتية ثابتة: “الخائن لا يثق به أحد، حتى من استأجره”.
إن ما حدث في عدن هو تحذير لكل من يتورط في رهنت مقدرات البلاد للخارج؛ فالثمن دائماً ما يكون باهظاً، والنهاية لا تكتب في قصور لندن أو فنادق العواصم، بل في أزقة المدن المظلمة والمناطق النائية حيث يترك الجثمان بلا وداع ولا شكر. إن استعادة السيادة الوطنية تبدأ من تطهير الأرض من هذه الشبكات التخريبية، وإدراك أن الحماية الحقيقية لا تأتي من جواز سفر أجنبي أو دعم استخباراتي، بل من الولاء للأرض والإنسان، أما من يختار طريق “وسام قائد” فعليه أن يستعد لتجرع السم الذي طبخه بيديه، في خاتمة لا تترك أثراً سوى الخزي والندم.
نقلاً عن موقع 21 سيبتمر
التعليقات مغلقة.