صنعاء سيتي | متابعات
منذ أكثر من قرن من الزمان، لا يزال وادي “تنومة” في منطقة عسير يروي قصة حقدٍ تاريخي دفين؛ قصة لم يتغير فيها سوى أسماء الضحايا وتطور آلات القتل. فالمجزرة التي حاول البعض تغييبها في طيات النسيان لعقود، عادت اليوم لتطل برأسها من تحت ركام البيوت في “عطان” وأشلاء الأطفال في “مستبأ”، لتؤكد أن ما حدث في مارس 2015 لم يكن إلا امتداداً دموياً لما حدث في عام 1923م.
يرى مراقبون أن العقيدة التي استباحت دماء ثلاثة آلاف حاج يمني في وادي “تنومة” و”سدوان” عام 1341 للهجرة، هي ذاتها التي سفكت دماء اليمنيين في صالات العزاء وحفلات الأعراس. ففي ذلك الحين، وبينما كان الحجاج عُزلاً بملابس الإحرام، باغتتهم السيوف والرصاص السعودي بدم بارد، في مؤشر مبكر على طبيعة العلاقة التي أراد النظام السعودي صياغتها مع جاره اليمني: علاقة قائمة على الإبادة ومحاولة طمس الهوية.
هذا الخيط الدموي يربط الماضي بالحاضر؛ فالحرب لم تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت لتشمل:
-
القضم الجغرافي: التوسع المستمر في الأراضي الحدودية اليمنية.
-
الوصاية السياسية: التدخل السافر في القرار السيادي اليمني لعقود.
-
الحرب الاقتصادية: سياسة الحصار وتجويع الشعب لضمان بقائه في دائرة التبعية.
لم يكن العدوان الذي انطلق في 26 مارس 2015 مفاجأة للداخل اليمني، بل كان ذروة التصعيد لمحاولة إعادة فرض الهيمنة التي بدأت تتلاشى مع بزوغ فجر ثورة الـ 21 من سبتمبر 2014م، بقيادة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي.
ويؤكد التقرير أن ما شهده اليمن من قصف وحصار خلال السنوات الماضية ليس إلا “نسخة معاصرة” وموسعة من مجزرة تنومة، هدفت في جوهرها إلى تركيع الشعب الذي قرر استعادة قراره المستقل.
رغم التداعيات الإنسانية التي وُصفت بأنها “الأسوأ في العالم”، إلا أن الرهان السعودي على عامل الوقت والقوة المفرطة قد سقط. اليوم، يجد النظام السعودي نفسه أمام واقع يمني مختلف تماماً؛ واقع متسلح بالوعي التاريخي الذي يربط بين دماء حجاج 1923 وضحايا عدوان 2015.
“إن استحضار مجزرة تنومة ليس لمجرد اجترار الأوجاع، بل هو استنهاض لوعي شعبي يدرك أن عدو الأمس هو ذاته عدو اليوم، وأن دماء الحجاج الذين قُتلوا في شعاب عسير هي ذاتها التي تنبت اليوم نصراً وعزة في جبهات الصمود.”
ستبقى “تنومة” شاهداً حياً على سقوط النظام السعودي أخلاقياً وقيمياً منذ نشأته. وفي المقابل، يرى اليمنيون أن دماء شهدائهم لم تذهب سدى، بل تحولت إلى منارة تضيء طريق المعركة المقدسة؛ معركة انتزاع السيادة الكاملة وتطهير الأرض من دنس الوصاية والارتهان، مؤكدين أن الذاكرة اليمنية عصية على التزييف، وأن دماء الماضي والحاضر تتوحد اليوم لرسم مستقبل اليمن المستقل.
التعليقات مغلقة.