هنا تكمن خطورة الحرب الناعمة
صنعاء سيتي | مقالات | عبدالمنان السنبلي
تخيَّلوا فقط لو أن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر قد قُدِّر له – مثلًا – العودة إلى عالمنا وزماننا اليوم، برأيكم، هل كان سيحظى بنفسِ الشعبيّة العربية والإسلامية العارمة التي كان يحظى بها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي..؟
لا أعتقد ذلك، بصراحة، بل إني أجزمُ أنه لن يحصلَ ولا على ما يعادل ٥ % تقريبًا، أَو أقل، من إجمالي مساحة تلك الشعبيّة..
تعرفون لماذا..؟
لأنه ببساطة سيجدُ شعوبًا عربية أُخرى غيرَ تلك الشعوب العربية التي عاصرها وعاصرته في تلك الفترة، والتي لا يمكن إطلاقًا أن نضعَها موضعَ المقارنة، لا من حَيثُ حجم مشاعر الانتماء للأُمَّـة، ولا من حَيثُ كمية التعاطي والتفاعل مع قضايا الأُمَّــة، مع شعوب اليوم..
وهنا تكمن خطورةُ الحرب الناعمة على الشعوب..!
عندما يكونُ لك عدوٌّ مغتصِب، بحجم العدوّ الإسرائيلي، عدوٌّ آليت على نفسك ألا تتفاوض أَو تصطلحَ معه أَو تعترف به، وفجأة تخرج على العالم كله، وقد تحوّلت في موقفك هذا منه من حالة العداوة والمقاطعة المغلظة والمشدّدة إلى حالة الصداقة والتحالف والتعاون المشترك، فأنت بذلك تكون قد وقعت، بطريقة أَو بأُخرى، فريسةً سهلةً في مصائدَ واحدة من أخطر الحروب الناعمة وأشدها فتكًا على الإطلاق..
وهذا بالضبط هو حال الشعوب العربية اليوم..
وهذا بالضبط أَيْـضًا ما يجعلهم ينصرفون ولا يتعاطون أَو يتفاعلون – مثلًا – مع قائد عربي بحجم السيد عبدالملك الحوثي، والذي ثبت أنه قد تجاوز في مشروعه القرآني ومواقفه العربية والإسلامية مشروع جمال عبدالناصر القومي، ومواقفه العروبية بمراحلَ كثيرة.
والآن تخيلوا معي مرة ثانية..
تخيلوا فقط لو أن السيد القائد عبدالملك الحوثي قد قُدِّر له – مثلًا – وجاء في زمن جيلِ الخمسينات والستينات من الشعوب العربية والإسلامية، والذي لم تكن الحرب الناعمة قد نالت منه أَو أحكمت قبضتها عليه، برأيكم، كيف كان ذلك الجيل سيتعاطى مع مشروع هذا الفتى اليماني..؟
لا أستطيع، بصراحة، تصور ذلك العنفوان وذلك الزخم الشعبي العربي والإسلامي الكبير الذي كان سيحيط بهذا الفتى اليماني المقاوم الثائر..!
يعني: إذَا كان خطابٌ واحد أعلن فيه جمال عبدالناصر التنحيَ والاعتراف بالهزيمة والانكسار، قد حمل الشعوب العربية والإسلامية، في ذلك الحين، إلى الخروج إلى الشوارع والساحات، والهُتاف بحياة عبدالناصر، والمطالَبة بعدوله فورًا عن قرار التنحي، فكيف بخطابٍ واحد من السيد القائد عبدالملك الحوثي يعلن فيه النصرَ والتحديَ والاستعدادَ والتأهُّبَ لخوض غمار جولات قادمة..؟
لن أبالغَ، بصراحة، إن قلتُ: إن الأُمَّــةَ كانت قد توحَّدت، وأن فلسطين كانت قد تحرّرت، وأن الأنظمة الرجعية العميلة “العربية” كانت قد سقطت باكرًا..
ولكن قُدِّر لهذا الفتى اليماني ألا يأتي إلا في هذا الزمن النحس، والذي نالت فيه الحربُ الناعمة من الشعوب العربية والإسلامية ما نالت، الأمر الذي خلّف فجوة واسعة جِـدًّا، وهُوّة كبيرة بينها وبين قضاياها المصيرية، يصعب جَسرُها أَو ردمُها بقليل من العناوين أَو الشعارات المفرغة وغير المخصصة للاستهلاك..
وهذا بالطبع ما أدركه السيدُ القائد عبدالملك الحوثي مبكرًا، حين دعا إلى ضرورة التصدي لهذه الحرب الناعمة بكل الطرق والوسائل الكفيلة بإعادة الأُمَّــة إلى هُويتها الإيمانية، وثقافتها العربية والإسلامية..
فهل آن الأوانُ للإنسان العربي والمسلم أن ينفكَّ من قيود هذه الحرب الناعمة ويتحرّرَ من قبضتها، ويستعيدَ شخصيتَه وهُويته وثقافته العربية والإسلامية، أم أنه قد ارتضى لنفسه أن يعيشَ بلا هُوية أَو كرامة..؟
بصراحة، لا أدري..
التعليقات مغلقة.