القواعد الأمريكية في الخليج: أمنٌ مزيف وثمنٌ كارثي
صنعاء سيتي | مقالات | شاهر أحمد عمير
منذ ما يقارب خمسين عامًا، وضعت دولُ الخليج أمنَها وسيادتها في يد أمريكا، وفتحت أراضيها للقواعد العسكرية، وأنفقت مئات المليارات من الدولارات تحت ذريعة الحماية من إيران.
وقد جرى تسويق هذا الخيار على أنه ضرورة استراتيجية لا بديل عنها، وأن هذه القواعد تمثّل مظلة ردع تحمي العروش قبل الأوطان.
غير أن الواقع، ومع أول اختبار حقيقي، أسقط هذه الرواية بالكامل، وكشف أن ما بُني على الوهم لا يمكن أن يصمد أمام الحقيقة.
لقد تبيّن بوضوح أن القواعد الأمريكية لم تكن يومًا عامل أمان، بل تحوّلت إلى عبء ثقيل وخطر مباشر.
فهي لم تحمِ نفسها، ولم تحمِ الدول التي تستضيفها، بل جعلت من أراضي الخليج أهدافا مفتوحة، وأدخلت هذه الدول قسرًا في قلب أي صراع إقليمي أَو دولي.
وهكذا، بدل أن تكون هذه القواعد عنصر ردع، صارت عنوانًا دائمًا للتوتر، ونقطة جذب للحروب، ومصدر تهديد لأمن الشعوب قبل الأنظمة.
إن أخطر ما في هذا الخيار ليس فشله العسكري فقط، بل نتائجه السياسية الكارثية.
فقد جرى ربط القرار السيادي الخليجي بإرادَة خارجية لا ترى في المنطقة سوى مخزن أموال وقاعدة متقدمة لحروب الآخرين.
وعندما حانت لحظة الامتحان، تبيّن أن أمريكا لا تقاتل دفاعًا عن أحد، ولا تضحي؛ مِن أجلِ أمن أحد، بل تترك حلفاءها في الواجهة، وتدير الصراع من الخلف، وفق حسابات المصلحة البحتة.
أما كلفة هذا الوجود، فلم تكن مالية فحسب، رغم فداحتها، بل كانت كلفة سيادية وأمنية وأخلاقية.؛ إذ تحولت القواعد الأمريكية إلى أدَاة ابتزاز دائمة، تُفرض عبرها الإملاءات، وتوجّـه السياسات، وتُكمَّم الأصوات.
والأسوأ من ذلك، أن هذه القواعد لم تُستخدم يومًا لحماية القضايا العربية أَو الدفاع عن أمن الأُمَّــة، بل ظلت عاجزة أَو متواطئة أمام الجرائم التي طالت الشعوب العربية، بينما لم تتحَرّك إلا حين تعلّق الأمر بحماية المصالح الأمريكية أَو أمن حلفائها.
لقد أثبتت الوقائع، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الوجود العسكري الأمريكي لا يحمي الدول، بل يجرّها إلى دائرة الاستهداف، ولا يبعد شبح الحرب، بل يستدعيه.
فكل قاعدة أجنبية هي تهديد كامن، وكل جندي أجنبي هو رسالة استفزاز، وكل رهان على الخارج هو مقامرة خاسرة بثروات الشعوب ومستقبلها.
واليوم، وبعد أن سقط القناع، تقف دول الخليج أمام حقيقة لا يمكن الهروب منها: الاستمرار في الارتهان لأمريكا يعني البقاء في دائرة الخطر الدائم، وتحويل الأوطان إلى ساحات صراع بالوكالة.
أما الخروج من هذا المأزق، فيتطلب قرارًا شجاعًا بمراجعة شاملة للسياسات الأمنية، تبدأ بفك الارتباط العسكري والسياسي، وتنتهي ببناء أمن حقيقي قائم على السيادة، لا على القواعد، وعلى التفاهم الإقليمي، لا على الأساطيل الأجنبية.
إن إخراج القواعد الأجنبية من الخليج لم يعد خيارًا نظريًّا أَو شعارًا عاطفيًّا، بل ضرورة أمنية ملحّة لحماية المنطقة من الانفجار الشامل.
فالأمن لا يُستورد، والسيادة لا تُستعار، ومن يسلّم قراره للآخرين لا يملك حق الشكوى من النتائج.
التاريخ لا يرحم، والوقائع لا تُزيَّف.
ومن لم يتعلّم من دروس اليوم، سيدفع ثمن الغد مضاعفًا.
القواعد الأمريكية لم تجلب الأمن، بل جلبت الخطر، ولم تصنع الاستقرار، بل مهّدت للفوضى.
والوقت ينفد.. إما وعي يسبق الكارثة، أَو ندم لا ينفع بعده شيء.
التعليقات مغلقة.