حين يحاصر الشرق الأوسط “أمريكا أولاً”.. مأزق القوة العظمى بين صراعات الإقليم وتجاذبات الداخل
صنعاء سيتي | تقريرخاص
تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مأزق استراتيجي معقد؛ فرغم رفع شعار “أمريكا أولاً”، تظل الإدارة الأمريكية غارقة في مستنقع الشرق الأوسط وأزماته المترابطة، من إيران وغزة ولبنان وصولاً إلى أمن مضيق هرمز والبحر الأحمر. هذا التشابك الخارجي ينعكس بصورة مباشرة على الداخل الأمريكي، ليرسم معادلة صعبة يختصرها التساؤل: هل يستطيع الرئيس إعادة تشكيل الشرق الأوسط، دون أن يعيد الشرق الأوسط تشكيل رئاسته؟
تتحرك واشنطن في إقليم تحول إلى شبكة أزمات مترابطة، حيث لم تسقط إيران ولم تُهزم، ولا تزال إسرائيل في صدارة الدعم العسكري رغم الانتقادات الداخلية، بينما ترتد تكلفتها على الاقتصاد الأمريكي عبر أسعار الوقود، التضخم، والإنفاق العسكري. وتواجه الإدارة معضلة كبرى تتمثل في تعدد الأهداف وتضاربها:
-
هل المطلوب إضعاف إيران أم منع برنامجها النووي؟
-
هل الهدف تأمين إسرائيل أم حماية الخليج وملاحة مضيق هرمز؟
-
يكمن الخطر الحقيقي في تحول الاستراتيجية من مجرد “إدارة الحرب” إلى محاولة “هندسة الشرق الأوسط بأكمله” أثناء الحرب، مما يضاعف التكاليف والأعباء.
تبقى إسرائيل العقدة الأكثر حساسية لتداخلها العضوي مع السياسة الداخلية والكونغرس والانتخابات. وتتخبط الإدارة في التوفيق بين التزاماتها تجاه تل أبيب ومصالحها الأوسع مع دول الخليج وأمن الاقتصاد العالمي.
-
انقسام المستشارين: تبرز داخل إدارة ترمب مقاربات متباينة؛ لناحية ميل نائب الرئيس “جيه دي فانس” نحو تقليص الانخراط العسكري والبحث عن تسويات، مقابل مقاربة أكثر تشدداً لوزير الخارجية “ماركو روبيو”.
-
فردية القرار: تشير تقارير منصة “أكسيوس” إلى تزايد تمركز صنع القرار حول شخص الرئيس ترمب وحده، واعتماده على تقديره الشخصي مع تضيق دائرة الاستشارة في الأزمات الكبرى.
تلوح في الأفق معركة سياسية فاصلة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. ومع تقارب المؤشرات واستطلاعات الرأي (مثل تقدم الديمقراطيين في الدوائر التنافسية)، تواجه رئاسة ترمب خطر فقدان الأغلبية في مجلس النواب.
-
التبعات السياسية: سيطرة حزب معارض على الكونغرس لا تعني بالضرورة “العزل” (الذي يتطلب أغلبية الثلثين في الشيوخ)، لكنها ستؤدي إلى شلل سياسي وفقدان القدرة على الحكم.
-
ستتحول العامان الأليفان من الولاية إلى معارك قضائية، لجان تحقيق، استدعاءات ومساءلات مستمرة، مما يحول الرئيس إلى “بطة عرجاء” محاصرة داخلياً.
رغم امتلاك واشنطن لأقصى درجات القوة العسكرية والاقتصادية الشاملة في النظام الدولي، إلا أنها تصطدم بالحقيقة التاريخية القائلة إن “امتلاك القدرة على التدخل لا يضمن التحكم في نتائج التدخل”.
وتتزامن هذه الأزمة الخارجية مع أزمة ثقة عميقة داخلية أظهرتها استطلاعات (أسوشيتد برس ونورك) تمثلت في تراجع ثقة المواطنين الأمريكيين بالمعلومات الحكومية والخطاب السياسي، إلى جانب قلق الناخب اليومي المرتبط بتكلفة المعيشة وأسعار السلع والرهن العقاري، بعيداً عن أرقام الناتج المحلي الإجمالي.
خلاصة المشهد: تقف الإدارة الأمريكية اليوم على صفيح ساخن مزدوج؛ فهي مطالبة بإدارة إقليم ملتهب يعيد رسم توازناته بالقوة والتفاوض من الخارج، وفي الوقت ذاته إدارة جبهة داخلية شديدة الاستقطاب، اقتصادياً وسياسياً وانتخابياً، وسط تساؤل مصيري عما إذا كانت واشنطن قادرة حقاً على ضبط مخرجات حروبها قبل أن تبتلع تداعياتها رصيدها السياسي في الداخل.
التعليقات مغلقة.