مليونية السبعين في وجه البهتان السعودي.. اليمن يجدد عهده بالمقدسات ويعلن: الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد

صنعاء سيتي | تقرير 

 

لم يكن ميدان السبعين، عصر اليوم، مجرد ساحة لاحتشاد جماهيري عابر، بل بدا في مشهد استثنائي أشبه بموجة بشرية امتدت على مساحة الميدان والأروقة والمداخل المؤدية إليه، فيما كانت أمطار الخير تهطل على العاصمة صنعاء، لتتواصل في الوقت ذاته سيول الجماهير القادمة من مختلف مديريات أمانة العاصمة ومحافظة صنعاء حتى اللحظات الأخيرة.

وفي واحدة من أكبر الفعاليات الجماهيرية التي شهدتها العاصمة خلال الفترة الأخيرة، احتشد اليمنيون تحت شعار “دعم القوات المسلحة، ومواجهة الحصار بالحصار، وكشف كذبة استهداف مكة”، حاملين أعلام الجمهورية اليمنية ورايات قوى محور الجهاد والمقاومة، وصور المصحف الشريف والمقدسات الإسلامية، ومعلنين تمسكهم بمواقفهم تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين والقدس والدفاع عن المقدسات.

وجاءت مسيرة السبعين متزامنة مع مسيرات وفعاليات جماهيرية في بقية المحافظات الحرة، لتقدم صورة واسعة عن طبيعة الموقف الذي أراد المنظمون إيصال رسالته: رفض الشعب اليمني للبهتان والافتراء السعودي باستهداف مكة، وتجديد دعم القوات المسلحة، والتمسك بمعادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد، وإعلان الجهوزية لمواجهة أي تصعيد قادم.

ميدان السبعين.. الحشود تتحدى المطر وتملأ الساحة

منذ وقت مبكر، بدأت الجماهير بالتوافد إلى ميدان السبعين، قبل أن يتحول المكان تدريجيًا إلى كتلة بشرية واسعة، ومع استمرار تدفق المشاركين اضطرت الحشود إلى استحداث مربعات جماهيرية إضافية داخل الميدان وفي الأروقة والمنافذ المؤدية إليه.

ولم تمنع أمطار العاصمة المتساقطة من استمرار تدفق المشاركين؛ بل أضفت على المشهد طابعًا لافتًا، فيما بقيت الحشود في مواقعها وهي ترفع الأعلام والمصاحف والرايات، وتردد الهتافات التي جمعت بين البعد الديني والوطني والسياسي.

وبهذا الحضور، أراد المشاركون التأكيد على أن قضية المقدسات، في تصورهم، ليست ملفًا منفصلًا عن قضايا السيادة والعدوان والحصار، وأن الموقف منها يتقاطع مع موقفهم من مختلف القضايا التي يعتبرونها جزءًا من معركة اليمن والأمة.

المصحف والمقدسات وفلسطين.. صورة تختصر الرسالة

كان لافتًا في المشهد حضور المصحف الشريف وصور المقدسات الإسلامية إلى جانب الأعلام والرايات الوطنية، في دلالة أراد المشاركون من خلالها الربط بين الدفاع عن المقدسات الإسلامية ومواقفهم من القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى.

ورفعت الحشود شعارات تؤكد استمرار نصرة الشعب الفلسطيني، والوقوف إلى جانب الشعوب والقوى التي تواجه الاحتلال الإسرائيلي، بالتوازي مع التأكيد على أن مكة المكرمة والمدينة المنورة والمسجد الأقصى تمثل مقدسات لا يجوز تحويلها إلى مادة للمناكفات السياسية.

وهذه الرسالة حضرت بقوة في البيان الختامي، الذي أعاد التأكيد على ثبات الموقف اليمني من قضايا الأمة، وفي مقدمتها الدفاع عن المقدسات الإسلامية ونصرة القضية الفلسطينية.

“الإيمان يمان”.. رد شعبي على اتهام استهداف مكة

المحور الأكثر حضورًا في مسيرة السبعين كان البهتان والافتراء السعودي المتعلق باستهداف مكة المكرمة، وهو اتهام يرفضه الشعب اليمني جملة وتفصيلا.

ومن قلب الحشود، تحولت هذه القضية إلى محور رئيسي للهتافات والرسائل الشعبية، حيث تساءل المشاركون عن مواقف النظام السعودي من إساءات سابقة طالت المقدسات الإسلامية، وعن موقفه من الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، ومن الحرب على غزة.

وردد المحتشدون هتافات من بينها: “لله نقول بإذعان.. سبحانك هذا بهتان”، و:”سبحانك يا رب الكعبة.. أن نصمت عن هذي الكذبة”، كما تعالت الهتافات: “عد يا من سمع البهتان.. لحديث الإيمان يمان”، و:”يمن الحكمة والإيمان.. للكعبة صمام أمان”.

لتتحول قضية الاتهام والبهتان السعودي إلى معركة على الرواية والهوية والموقف من المقدسات.

وفي هذا السياق، قدم المشاركون أنفسهم شعبًا يرفض أن تتحول قدسية مكة إلى أداة في الصراع السياسي، مؤكدين أن موقفهم من الكعبة والمقدسات ثابت لا يرتبط بظرف أو مواجهة آنية.

من مكة إلى الأقصى.. سؤال المقدسات حاضر في الساحة

لم تقتصر رسائل المسيرة على مكة المكرمة، إذ حضر المسجد الأقصى والقضية الفلسطينية بقوة في الهتافات والشعارات.

وتساءلت الحشود عن المواقف تجاه ما يجري في غزة، وعن الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، لتؤكد أن المقدسات لا يمكن تجزئتها، وأن الدفاع عن أحدها لا ينفصل عن الدفاع عن سائر المقدسات.

ومن هنا جاء الهتاف: “يا غزة معكم مازلنا.. سنظل وإن عادوا عدنا”، إلى جانب الهتاف: “الجهاد الجهاد.. حيّ حيّ على الجهاد”.

وهي هتافات عكست الطابع التعبوي للمسيرة، وربطت بين الحضور الشعبي في صنعاء وبين استمرار الموقف اليمني من فلسطين.

الهتافات.. السبعين يتحدث بصوت واحد

لم تكن الهتافات في ميدان السبعين مجرد شعارات تملأ الفراغ بين فقرات المسيرة، بل شكلت خطابًا شعبيًا متكاملًا حمل رسائل متعددة.

ففي جانب منها، عبّر اليمنيون عن حمدهم لله على ما يعتبرونه انتصارات لقواتهم المسلحة، مرددين:

“سبحانك ما أعظم نصرك.. يا رب فأوزعنا شكرك”

وفي جانب آخر، ركزت الهتافات على رفض الاتهامات المتعلقة بمكة، ثم انتقلت إلى التأكيد على مكانة اليمن وموقفه من المقدسات، قبل أن تصل إلى التحذير من التصعيد القادم.

ومن أبرز الهتافات التي تعالت في الساحة: “آل سعود عدو دنس.. للكعبة ولكل مقدس”، و:”قدسية مكة لا تسمح.. أن تصبح تضليلاً يطرح”، و:”مكة نفديها بدمانا.. عن نصرتها لن نتوانى”.

ثم ارتفع سقف الرسائل باتجاه النظام السعودي:”يا ابن سعود القادم أعظم.. وستندم والله ستندم”، لتختتم الحشود رسالتها بالتأكيد على استمرار موقفها من غزة ومحور المقاومة.

رسالة إلى الرياض: لا اختبار لصبر اليمن

في الجانب السياسي، حملت المسيرة رسالة واضحة إلى العدو السعودية مفادها أن استمرار التصعيد سيقابل بموقف يمني تصعيدي.

وأكد المشاركون وقوفهم خلف السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، وجددوا تفويضهم له في اتخاذ ما يرونه من خيارات للرد، معلنين في الوقت ذاته جاهزيتهم لمختلف أشكال الإسناد للقوات المسلحة.

كما دعوا إلى رفع مستوى اليقظة والاستعداد، والتوجه إلى معسكرات التدريب والتأهيل، وتقديم قوافل العطاء للمقاتلين، وإسناد القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر بالمال.

وهكذا، لم يكن شعار “دعم القوات المسلحة” عنوانًا شكليًا للمسيرة، وإنما جاء مرتبطًا بدعوة صريحة إلى رفع مستوى الجهوزية الشعبية والمادية لمواكبة المرحلة المقبلة.

البيان الختامي.. الكلمة الفصل للحشود

وفي ختام المسيرة، جاء البيان الختامي ليضع المواقف التي حملتها الحشود في إطار سياسي وشعبي موحد.

وأكد البيان أن خروج اليمنيين جاء دفاعًا عن انتمائهم الإسلامي ورفضًا للبهتان العظيم الذي أطلقه العدو السعودي بشأن استهداف مكة، إضافة إلى تأكيد الثبات على مواجهة العدوان والحصار المستمرين، وعلى مواقف اليمن تجاه قضايا الأمة ومقدساتها.

وشدد البيان على أن الشعب اليمني متمسك بمكة المكرمة والمدينة المنورة والمسجد الأقصى، وبالقضية الفلسطينية وكل القضايا العادلة والمشروعة.

كما وجّه البيان الحمد والشكر لله، وبارك الانتصارات التي حققتها القوات المسلحة، مجددًا التأكيد على استمرار ما خط الجهاد والتمسك بالحرية والاستقلال والكرامة.

الحصار بالحصار.. المعادلة التي تصدرت البيان

في قلب البيان الختامي، جاءت معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” باعتبارها إحدى أبرز الرسائل السياسية والميدانية للمسيرة.

وأكد البيان استمرار دعم القوات المسلحة في مواجهة تحشيدات العدو السعودي، والاستمرار في تطبيق هذه المعادلة حتى كسر الحصار واستعادة الحقوق.

وهنا تتجاوز المسيرة قضية الاتهام والبهتان السعودي المتعلق باستهداف مكة لتعود إلى أصل الصراع: الحصار والعدوان والحقوق والسيادة والثروات.

وبذلك أكد المشاركون أن المعركة لا تُختزل في حادثة إعلامية أو اتهام سياسي، وإنما ترتبط بملف أوسع يتصل بمستقبل اليمن وحقوقه وسيادته.

تفويض القيادة.. والحسم في توقيت الرد

ومن أكثر النقاط دلالة في البيان تأكيده احتفاظ الشعب اليمني بحقه في الرد على الاتهام، مع تفويض القيادة والقوات المسلحة بتحديد كيفية الرد وتوقيته.

وجاء ذلك في صيغة تؤكد أن الرد لن يكون بالضرورة مرتبطًا باللحظة ذاتها، وإنما يترك تقدير الشكل والتوقيت للقيادة والقوات المسلحة.

وهذه النقطة تضفي على الرسالة السياسية للمسيرة بعدًا إضافيًا: إعلان الجهوزية دون تحديد شكل الرد أو موعده، مع إبقاء خيارات التصعيد مفتوحة.

المقدسات.. من مكة والمدينة إلى الأقصى

وجدد البيان التأكيد على أن الدفاع عن المقدسات الإسلامية يمثل ثابتًا في الموقف اليمني، مستحضرًا مكة المكرمة والمدينة المنورة والمسجد الأقصى.

كما ربط ذلك بالموقف من القضية الفلسطينية، مؤكدًا استمرار دعمها إلى جانب قوى محور الجهاد والمقاومة في فلسطين ولبنان والعراق وإيران.

وبذلك، أعاد البيان وضع المسيرة في إطار إقليمي أوسع، باعتبار أن اليمن ينظر إلى معركة المقدسات باعتبارها جزءًا من مواجهة متعددة الجبهات، لا قضية يمنية محلية منفصلة.

ثورة 21 سبتمبر.. خلفية التحول في الوعي الشعبي

ولا يمكن قراءة مشهد السبعين بمعزل عن التحولات السياسية والشعبية التي شهدها اليمن خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها ثورة 21 سبتمبر التي تعتبر محطة هامة لتحرير القرار الوطني من الوصاية الخارجية وإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة والاستقلال.

فمنذ ذلك التحول، أصبحت الساحات اليمنية مساحة دائمة للتعبير الجماهيري عن المواقف المتعلقة بالسيادة والمقدسات وفلسطين والعدوان والحصار، وحضرت الحشود الشعبية كعنصر فاعل في المشهد السياسي والميداني.

فهذا الحضور لا ينفصل عن إحياء الهوية الإيمانية اليمنية، واستعادة الثقة بالقدرة على اتخاذ القرار بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى ميدان السبعين اليوم بوصفه امتدادًا لذلك المسار؛ شعبٌ يحتشد تحت المطر، يرفع المصحف والعلم اليمني، يهتف لفلسطين، ويعلن تمسكه بالسيادة، ويجدد دعمه للقوات المسلحة وقيادته في مواجهة العدوان والحصار.

من الساحة إلى الميدان.. الجهوزية عنوان المرحلة

لم تكتفِ المسيرة بإعلان المواقف، بل تضمنت دعوات عملية إلى رفع مستوى الاستعداد والتأهيل والتدريب، وتقديم الدعم المادي للقوات المسلحة.

وهذا الجانب يكشف أن الرسالة تتجاوز التعبير الجماهيري إلى تعبئة المجتمع لمواجهة ما قد تحمله المرحلة المقبلة من تطورات.

فالدعوة إلى التدريب والتأهيل، وقوافل العطاء، وإسناد القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر، تعكس انتقال الخطاب من مرحلة إعلان الموقف إلى مرحلة الاستعداد لتنفيذ ما يترتب عليه.

موقف يتجاوز اللحظة.. اليمن يربط المقدسات بالسيادة

في المحصلة، جاءت مسيرة ميدان السبعين اليوم لتجمع في مشهد واحد مجموعة من العناوين: المقدسات، فلسطين، السيادة، الحصار، القوات المسلحة، الاستقلال، والجهوزية.

ومن تحت أمطار صنعاء، أرسلت الحشود رسائل متعددة الاتجاهات؛ إلى الداخل بالتلاحم والاستعداد، وإلى العدو السعودي برفض الاتهامات والافتراءات والتهديد بالرد، وإلى الأمة الإسلامية بالتأكيد على مركزية المقدسات وفلسطين، وإلى القوات المسلحة بالتأييد والإسناد.

أما البيان الختامي، فقد نقل هذه الرسائل من مستوى الهتاف إلى مستوى الموقف المعلن، مجددًا التمسك بمعادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، والتفويض للقيادة والقوات المسلحة بتحديد خيارات الرد.

وهكذا بدا ميدان السبعين، في ختام هذه المليونية، وكأنه يلخص المشهد اليمني الراهن في صورة واحدة: حشود لا توقفها الأمطار، ومصحف مرفوع في قلب الساحة، وأعلام تملأ الميدان، وهتافات تتردد من أجل مكة والقدس وغزة، وبيان يعلن أن اليمن ماضٍ في خياراته، وأن أي تصعيد جديد سيجد أمامه شعبًا يعلن الجهوزية ويؤكد تمسكه بحقوقه وسيادته ومقدسات أمته.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.