ضربات صنعاء تفتح السؤال المؤجل في الرياض.. ماذا يحدث حين تصبح كلفة المماطلة أكبر من كلفة التراجع؟

صنعاء سيتي | تقرير 
تؤسس العمليات العسكرية النوعية التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية خلال الأيام العشرة الماضية لمرحلة استراتيجية جديدة في إدارة الصراع مع النظام السعودي؛ إذ فرضت صنعاء بالنار قواعد اشتباك قطعية تُسقط كل محاولات العدو لتجاوز الخطوط الحمراء. إن استهداف المفاصل الحساسة في العمق الجغرافي والحيوي للمملكة يترجم القرار السيادي الحاسم بأن استباحة الأجواء اليمنية باتت مغامرة ذات كلفة فورية ومباشرة، وأن عهد التردد قد انتهى لصالح الردع الهجومي الاستباقي.
يرتبط هذا التحول الميداني بسياق سياسي بالغ الحساسية؛ فالرياض التي ظنت أن حالة خفض التصعيد تمنحها غطاءً للمماطلة في الملف الإنساني واستحقاقات السلام وتنفيذ خروقات استخباراتية، تجد نفسها اليوم في مواجهة حقيقة ردعية لا تقبل المناورة. تبعث صنعاء عبر هذه الضربات المركزة برسالة واضحة مفادها أن استقرار المملكة واقتصادها يظلان رهينة لإنهاء العدوان ورفع الحصار، وأن أي تواطؤ مع الأجندات المعادية سيجعل منشآت الطاقة والمطارات أهدافاً مشروعة ومستمرة.
ضرب منشآت نجران وشلل الدفاعات
جاء استهداف مطار نجران ومنشأة تابعة لشركة “أرامكو” النفطية بطائرتين مسيرتين ليحقق خرقاً عملياتياً لافتاً في منظومات الحماية العسكرية السعودية؛ حيث أظهرت العملية دقة متناهية في الوصول إلى الأهداف الحساسة وتجاوز طبقات الإنذار المبكر والاعتراض الراداري التي يعتمد عليها العدو في قطاعه الجنوبي.
كشفت هذه العملية عجزاً بنيوياً في فاعلية منظومات الدفاع الجوي الغربية، وعلى رأسها بطاريات “الباتريوت” الأمريكية، أمام تكتيكات الطيران المسير اليمني المنخفض والذكي؛ الأمر الذي يثبت هشاشة الحماية المزعومة للمنشآت الاقتصادية الحيوية، ويضع استقرار إنتاج وتوزيع الطاقة في المملكة تحت التهديد المباشر.
تجاوزت تداعيات الضربة البُعد الميداني إلى تعطيل الحركة والوظائف اللوجستية في المطار ومنشأة الطاقة المستهدفة، ما يؤكد نجاح صنعاء في تحويل الأهداف التكتيكية إلى أوراق ضغط استراتيجية تصيب مفاصل القرار العسكري والاقتصادي للنظام السعودي في توقيت بالغ الحرج.
  • تجاوز منظومات الرادار: فشل تقني مثبت لرادارات “الباتريوت” في رصد واعتراض المسيرات المنخفضة.
  • شلل لوجستي واقتصادي: تعطيل فوري لحركة الملاحة وإرباك عمليات الإمداد النفطي في نجران.
  • تثبيت الرد بالمثل: الرد المباشر على خرق الأجواء باستهداف العمق النفطي والعسكري.
  • فشل الرهان الغربي: عجز المظلات الدفاعية الأمريكية عن توفير الحماية للمنشآت السعودية.
فرض الحظر الجوي في صعدة
شهدت المحافظات الحدودية، وفي مقدمتها صعدة، تصعيداً في كفاءة الدفاعات الجوية اليمنية التي تمكنت عبر منظومات صواريخ أرض-جو مطورة محلياً من كسر التفوق الجوي للعدو؛ إذ تحولت سماء المناطق الحدودية إلى مساحة محرمة على طيران التجسس والمقاتلات المسيرة التابعة للتحالف.
أدى هذا الإغلاق العملياتي للأجواء إلى حرمان غرف العمليات السعودية من بناء وتحديث بنك الأهداف الاستخباراتي، وتجريد العدو من أداة رصد تحركات الجيش اليمني، مما أوقع قيادته العسكرية في حالة من العمى التكتيكي على طول مسارح العمليات وخطوط التماس.
يمثل هذا التفوق النوعي في تقنيات الرصد والتتبع الصاروخي انتقالاً استراتيجياً من الدفاع النقطي المحدود إلى مرحلة فرض السيادة التامة على الأجواء، مما يقوض أحد أهم مرتكزات العقيدة العسكرية السعودية القائمة على التفوق الجوي المطلق.
تكامل الجبهات وحصار الملاحة المعادية
تزامنت عمليات ردع التمادي السعودي في الشمال مع مواصلة القوات المسلحة تنفيذ عملياتها في مسارح البحر الأحمر والعربي والمحيط الهندي، حيث تفرض القوة الصاروخية والبحرية حصاراً بحرياً مطبقاً على الملاحة المرتبطة بالكيان الصهيوني دعماً وإسناداً للشعب الفلسطيني ومقاومته في غزة.
يعكس هذا الأداء العملياتي المتزامن قدرة نوعية للقيادة في صنعاء على إدارة جبهات قتال متعددة بكفاءة عالية وتنسيق تام؛ إذ تم تحييد محاولات الضغط السعودية على الحدود دون التأثير على استمرارية المعركة البحرية ومواجهة القطع والمدمرات الأمريكية والبريطانية الداعمة للعدو الصهيوني.
  • إدارة متزامنة للمعارك: خوض معركة السيادة الحدودية بالتوازي مع معركة الحصار البحري الإقليمي.
  • استمرار استهداف الملاحة الصهيونية: فرض حظر ملاحي شامل بالصواريخ الباليستية والمجنحة في نطاقات واسعة.
  • فشل استراتيجية التشتيت: سقوط مساعي واشنطن والرياض لإشغال صنعاء عن نصرة القضية الفلسطينية.
  • توازن ردع إقليمي: تحول صنعاء إلى لاعب محوري يفرض معادلات الأمن في البر والبحر.
مأزق الرياض وتآكل الهوامش الاقتصادية
يجد صانع القرار في الرياض نفسه محاصراً بتناقضات استراتيجية خطيرة؛ فالسعي إلى تقديم المملكة كمركز جذب للمشاريع الاستثمارية والسياحية الكبرى يصطدم بواقع هش تفرضه القدرة العسكرية اليمنية على شل عصب الاقتصاد النفطي وحركة المطارات في أي لحظة تفرضها معطيات الميدان.
إن محاولات النظام السعودي التنصل من استحقاقات إنهاء العدوان ومعالجة الملف الإنساني لن تجلب له الأمان؛ فالعمليات الأخيرة برهنت على أن سياسة شراء الوقت والمناورات السياسية لن تحول دون تدفيع المملكة أثماناً باهظة في بنيتها التحتية ما لم تلتزم بمتطلبات التهدئة الحقيقية والانسحاب الكامل.
تدرك القيادة السعودية أن نافذة الخيارات تضيق بصورة متسارعة، وأن الرهان على التنسيق مع التحالفات الدولية لحماية أراضيها أثبت فشله التام؛ مما يضعها أمام ضرورة مراجعة سياساتها وتجنب التصعيد غير المحسوب الذي سيجر عليها ارتدادات اقتصادية غير قابلة للاحتواء.
سقوط الرهانات وانغلاق خيارات المناورة
يقف النظام السعودي اليوم أمام معادلة حتمية جرى تثبيتها بقوة السلاح؛ فالأجواء اليمنية لم تعد ساحة مستباحة، ومنشآت الطاقة والمطارات في العمق أصبحت تحت دائرة الاستهداف الفوري، مما يجعل كلفة التمادي والمماطلة باهظة وغير قابلة للاحتمال على المستويين العسكري والاقتصادي.
إن الطريق الوحيد المتاح أمام الرياض يمر عبر الإقرار الكامل بمتطلبات السلام العادل، وإنهاء كافة أشكال العدوان والانتهاكات ورفع الحصار الشامل؛ وما لم تُترجم هذه الاستحقاقات على أرض الواقع، فإن بنك الأهداف اليمني سيظل مفتوحاً على عمليات أكثر عمقاً وأشد بأساً تحسم توازن القوى لصالح صنعاء بشكل نهائي.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر 

التعليقات مغلقة.