قصة أرض تتنفس حب الرسول: كيف تحول المولد النبوي في اليمن إلى ملحمة هوية وتكافل مجتمعي؟
صنعاء سيتي | تقرير | محسن علي
ما إن يطل هلال شهر ربيع الأول في كل عام هجري متجدد، حتى تشهد ربوع اليمن كافة تحولاً إيمانيا سحرياً يلامس شغاف القلوب والأبصار؛ فتكتسي الشوارع والمنازل التاريخية في صنعاء القديمة، وحارات صعدة، وسواحل الحديدة، ومرتفعات إب وساحات عمران، وجبال ذمار، وشواهق ريمة، وفي بقية مختلف المحافظات الحرة بحلة نبوية خضراء متألقة تضيء عتمة الليالي الحالكة، لا يقتصر هذا الاحتشاد الهائل على كونه طقساً عابراً، بل هو تجسيد حي لمدى عمق الوجدان اليمني المرتبط بالسيرة النبوية الشريفة، وتعبير متجدد عن تراث متأصل في عمق التاريخ، يمتزج فيه حب الشعب اليمني بالحب المحمدي الخالص ولأهل بيته الكرام، ليغدو ربيع الأول موسماً متكاملاً للبهجة والتكافل والإخاء الإنساني.
مع إشراقة غرة شهر ربيع الأول من كل عام هجري، يتبدل وجه الحياة في اليمن بشكل دراماتيكي مدهش، وكأن البلاد على موعد مع عرس كبير تتفتح فيه قلوب الناس قبل ديارهم ومنازلهم.، حيث تتخذ مظاهر الاحتفال بذكرى مولد سيد الكائنات وخاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم طابعاً فريداً يجمع بين الأصالة المعمارية والتعبير الشعبي العفوي. ففي العاصمة صنعاء، وتحديداً في شوارع أمانة العاصمة صنعاء القديمة والمحافظة العريقة بمنازلها الطينية المبنية على هندسة فريدة، تتسابق الواجهات والأزقة لتتزين بألاف الأضواء الخضراء واللافتات القماشية والرايات التي تحمل عبارات الشوق والمحبة للنبي الأكرم صلوات الله عليه وآله.
ولا يتوقف هذا المشهد الجمالي عند العاصمة وحدها، بل يمتد ويطغى على تفاصيل الحياة اليومية في سائر المحافظات اليمنية؛ ففي صعدة، يتحول ربيع الأول إلى موسم متواصل من الفعاليات الدينية والمجتمعية والثقافية التي تغمر الأسواق والمساجد والساحات، وفي عروس البحر الأحمر مدينة الحديدة، تتخذ الاحتفالات طابعاً ساحلياً مميزاً تتخلله الأهازيج الشعبية والإنشاد الصوفي الذي يعبر عن ارتباط أهل الساحل اليمني الوثيق بالمنهج المحمدي. وفي محافظات إب، وذمار، وعمران، والمحويت، وحجة، والبيضاء، وتعز، ومأرب، والجوف، وريمة، تتنوع أشكال الاحتفاء بتنوع جغرافية اليمن وثقافتها المحلية الغنية، حيث تتزين المساجد بالمجالس العامرة بقراءة السيرة النبوية العطرة، وتتعالى أصوات المدائح والابتهالات التي تهتز لها أركان المساجد والمجالس العامة والخاصة.
ولا تقتصر هذه المظاهر الاحتفالية على حواضر المدن الكبرى فحسب، بل تغوص بعيداً في أعماق الأرياف والقرى والعزل النائية، ففي القرى اليمنية الوادعة، تتكاتف الأسر وتتشارك في تزيين جدران المنازل بالطين الأبيض والأخضر، وتنظم المجالس العائلية والمجتمعية التي تتدارس حياة الرسول الأعظم وأخلاقه وصفاته العظيمة، بما يؤكد استقرار هذه المناسبة واستمرارها عبر الأجيال المتعاقبة كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية والإيمانية لليمنيين.
إن الاحتفاء الواسع بالمولد النبوي الشريف في اليمن ليس وليد الصدفة، ولا هو مجرد تقليد طارئ، بل هو امتداد تاريخي وعقائدي عميق لجذور الارتباط المبكر لأهل اليمن بالرسالة الإسلامية المحمدية، فالقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة حافلان بالشواهد الكثيرة التي خلدت مكانة أهل اليمن وفضائلهم؛ ومن ما ورد عن النبي صلوات الله عليه وآله في وصفهم بقوله: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً»، وبقوله الخالد: «الإيمان يمان والحكمة يمانية».
هذا التكريم النبوي السامي جعل اليمنيين عبر التاريخ يعتبرون أنفسهم المعنيين الأوائل بحمل راية الإسلام ونصرة نبيه الكريم. وحين استقبل أهل اليمن الإسلام في بواكيره الأولى، لم يتعاملوا معه بوصفه ديناً طارئاً، بل صاغوا منه هويتهم ووجدانهم وحضارتهم، ومن هذا المنطلق، ارتبط إحياء المولد النبوي في الذاكرة الجمعية اليمنية بكونه تجديداً للعهد مع الرسول الأعظم، واستحضاراً لقيم العزة، والكرامة، والرحمة، والتواضع، والأخلاق التي جاء بها لإخراج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الهداية، وقد حافظت المدن اليمنية التاريخية، مثل مدينة تريم في حضرموت بمدارسها ومجالسها الصوفية العريقة، على تقاليد راسخة في إحياء السيرة النبوية والمولد الشريف، مستندة إلى إرث علمي وروحي كبير جعل من هذه المناسبات منارة توجيه وتربية للأجيال.
إلى جانب الزينة والأضواء والمجالس الدينية والإنشادية، يبرز “التكافل الاجتماعي” كأحد أهم وأبرز التجليات العملية لإحياء المولد النبوي الشريف في اليمن، حيث يتحول الاحتفال من مجرد تعبير عاطفي إلى ملحمة إنسانية متكاملة الأركان تترجم قيم الإيثار والتراحم النبوي إلى واقع حي وملموس، وفي ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة والاستثنائية التي تمر بها البلاد، تتضاعف الجهود الرسمية والمجتمعية لتسخير هذه المناسبة كفرصة ذهبية لمد يد العون والمساعدة للمحتاجين والفقراء والأيتام وأسر الشهداء والجرحى. وتشهد الأسابيع المسبقة ليوم الثاني عشر من ربيع الأول إطلاق سلسلة واسعة ومكثفة من المبادرات الإنسانية والتكافلية التي تشارك فيها مؤسسات بارزة مثل الهيئة العامة للزكاة، والهيئة العامة للأوقاف والإرشاد، إلى جانب العديد من الجمعيات الخيرية والمنظمات التنموية والمبادرات الشبابية التطوعية.
تتنوع هذه الأنشطة لتشمل توزيع السلال الغذائية المتكاملة على الأسر الفقيرة والمتعففة في المدن والأرياف، وصرف المساعدات النقدية، وإقامة المخيمات الطبية المجانية التي تقدم العلاج والدواء للمرضى غير القادرين، وتنفيذ مشاريع الأطراف الصناعية ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، كما تشهد الأسواق والمساجد حملات إطعام واسعة النطاق توزع فيها الوجبات على المحتاجين وعابري السبيل، إضافة إلى تكريم المعلمين والمبرزين والمبدعين في شتى المجالات.
هذه البرامج والمبادرات الإنسانية الضخمة تمنح الاحتفاء بالمولد النبوي بعداً إنسانيا عميقاً، وتؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن السيرة النبوية العطرة لا تتجلى فقط في الكلمات والخطب، بل في الأفعال الحية التي تلامس حياة الناس، وتخفف آلامهم، وتجسد القيم والتعاليم الإسلامية.
لا يمكن الحديث عن المولد النبوي الشريف في اليمن دون الوقوف مطولاً أمام “الزامل الشعبي” وغيره من فنون الأدب والفلكلور الشعبي اليمني، والتي تشكل معاً “الديوان النابض” للذاكرة الجمعية والوجدان القبلي والشعبي، فالزامل اليمني، بما يحمله من بلاغة فائقة وقدرة استثنائية على اختصار المجلدات والمعلقات في أبيات معدودة تنبض بالحماس، يمثل وسيلة إعلام وتعبير جماهيري فريدة من نوعها، ومع حلول شهر ربيع الأول، تتنافس قامات الشعراء الشعبيين في صياغة أجمل الابتهالات والزوامل والقصائد التي تمجد النبي الأكرم ، وتعبر عن الشوق لرؤيته، وتستلهم من سيرته العطرة معاني الصبر والثبات والبطولة.
تتردد هذه الأهازيج والأناشيد في الساحات العامة، وفي مجالس الذكر، وفي الاحتفالات الكبرى، لتنتقل بسرعة البرق من جبل إلى وادٍ، موقظة للهمم، ومجددة للعهد والوفاء. إنها لغة الوجدان الشعبي التي تخاطب القلوب مباشرة، وتجمع الملايين حول قيم المحبة والفضيلة والأخلاق العالية، وحين تتزامن هذه الفنون الشعبية مع الرقصات التقليدية الأصيلة كالبرع والفلكلور المتوارث، فإنها ترسم لوحة فنية حضارية متكاملة تعكس عظمة الهوية اليمنية التي استطاعت بحكمتها وإيمانها أن تحافظ على نقاء موروثها الثقافي والروحي عبر قرون طويلة من الزمن.
يمثل المولد النبوي الشريف في اليمن ظاهرة حضارية وإنسانية متكاملة الأبعاد، تتجاوز بكثير حدود الاحتفال الموسمي التقليدي لتلامس أعماق الروابط الروحية، والاجتماعية، والثقافية التي تشكل جوهر الشخصية اليمنية عبر التاريخ.
ففي الشوارع المضيئة، والمساجد العامرة بالذكر، والقرى الوادعة، والمبادرات الإنسانية الواسعة، يثبت اليمنيون كل عام أن تعلقهم بالنبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو منهج حياة متكامل، ومصدر إلهام متجدد للقيم النبيلة، والتكافل الإنساني، والثبات على المبادئ السامية، ويبقى ربيع الأول في اليمن شعلة متوهجة تضيء عتمة الظروف الصعبة، وتذكر العالم بأسره بأن أمة تقرأ سيرة نبيها وتترجمها إلى رحمة وتكافل وعطاء، هي أمة حيّة لا تموت، قادرة أبداً على صناعة الأمل وتجديد الحياة.
*نقلاً عن موقع يماينون
التعليقات مغلقة.