هل تتحول سوريا إلى ساحة تجاذب تركي – إسرائيلي؟ عسكرة الأجواء ومخاوف التوازن الإقليمي
صنعاء سيتي | تقرير خاص
لم تكن الغارة الإسرائيلية الأخيرة على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب مجرد هجوم عسكري عابر، بل كانت بمثابة “إعلان نوايا” خطير يكشف عن تحول سوريا إلى حلبة صراع محتملة بين قوتين إقليميتين وازنتين: إسرائيل وتركيا.
وبينما تطرع تل أبيب شعار “المنع المبكر للتهديدات”، تتسع الفجوة الجيوسياسية في بلاد الشام لتضع دمشق وأنقرة وتل أبيب على صفيح ساخن.
تستند إسرائيل في استراتيجيتها الحالية – التي تجلت في استهداف مطار أبو الظهور – إلى عقيدة أمنية صارمة تقوم على الانتقال من “الردع” إلى “المنع المطلق”.
-
ذريعة التحرك: زعمت تل أبيب أن سوريا كانت “على وشك” السماح للجيش التركي بنشر قوات ومنظومات دفاع جوي ورادارات في القاعدة الجوية المهجورة، وهو ما تعتبره إسرائيل مساً مباشراً بحرية طيرانها الحربي وتهديداً لعملياتها نحو إيران.
-
النفي السوري: في المقابل، نفت دمشق وجود أي اتفاق أمني سري مع إسرائيل، مؤكدة أن الهجوم استهدف منشأة خالية من أي قوات أجنبية، في محاولة لفرض سيادة منقوصة على الأجواء السورية.
تراقب المؤسسة الأمنية في إسرائيل بحذر شديد تنامى الدور التركي في سوريا، وتخشى أن تؤدي الجهود التركية لإعادة تأهيل البنية العسكرية السورية إلى تغيير جذري في موازين القوى.
وتبرز المخاوف الإسرائيلية في اتجاهين رئيسيين:
-
الخطوط الحمراء الجوية والبحرية: رغم اتفاق “منع الاحتكاك” المبرم بين أنقرة وتل أبيب عام 2025، ترى إسرائيل في نشر رادارات ودفاعات جوية تركية على الأراضي السورية “خطاً أحمر”، فضلاً عن قلقها المتزايد من تنامي نشاط البحرية التركية واقتراب قطعها العسكرية من حدود ومصالح الاحتلال.
-
الكابوس الدبلوماسي: تخشى إسرائيل أن تنجح أنقرة في نسج شبكة تحالفات إقليمية كبرى، مثل ربط سوريا بـ “اتفاق مكة الثلاثي” (السعودية، باكسان، تركيا ومصر لاحقاً)، وهو ما يحرم إسرائيل من فرض تفوقها الإقليمي المطلق وفق استراتيجية “الدولة المهينة”.
من جانبها، تنفي تركيا النوايا الهجومية التي تتهمها بها إسرائيل، لكن تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية في سوريا تعكس رغبة واضحة في ترسيخ نفوذها الجيوسياسي. وقد أشار مبعوثون دوليون إلى أن غياب التنسيق الإسرائيلي المسبق كاد يوقع صداماً عسكرياً مباشراً بين المقاتلات الإسرائيلية والوحدات التركية عند الحافة الحدودية.
ونتيجة لذلك، تتصاعد الدعوات لإنشاء آليات تنسيق ثلاثية (تضم تركيا وإسرائيل وسوريا) لتفادي كارثة غير مقصودة، وسط جهود إسرائيلية مستميتة للضغط على واشنطن لتقييد صفقات التسليح المتقدمة لتركيا.
إن قصف مطار أبو الظهور ليس شأناً سورياً أو تركياً فحسب، بل هو اختبار حقيقي لمدى حضور الأمن القومي العربي. فبينما تسعى إسرائيل لفرض وقائع احتلالية ومدمرة، وتعمل تركيا على تعزيز نفوذها، يبقى الغياب العربي المنسق ثغرة كبرى تترك سوريا عرضة لتجاذبات الكبار.
إن استعادة سوريا لسيادتها الكاملة وتأمين حدودها وأجوائها يتطلبان رؤية عربية واعية توازن بين متطلبات الاستقرار الإقليمي ورفض كافة أشكال الهيمنة الأجنبية.
التعليقات مغلقة.