الحصار.. حين يتحول المرض إلى أداة حرب .. والسرطان يكشف الوجه الإنساني الأكثر قسوة للحصار
صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي
في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً، أعادت منظمة “انتصاف” لحقوق المرأة والطفل تسليط الضوء على الكلفة الإنسانية الباهظة لاستمرار الحصار المفروض على اليمن، مؤكدة أن النساء والأطفال باتوا الضحية الأولى لتداعيات انهيار القطاع الصحي، وأن مرض السرطان لم يعد مجرد تحدٍ طبي، بل تحول إلى مسار بطيء للموت نتيجة نقص الأدوية، وإغلاق منافذ العلاج، ومنع المرضى من الوصول إلى الخدمات الطبية المتخصصة، وتبرز هذه المعطيات أن الأزمة الصحية في اليمن تجاوزت حدود ضعف الإمكانات، لتصبح نموذجاً لما تصفه المنظمات الحقوقية بتأثير الحروب على الحقوق الأساسية للمدنيين، وفي مقدمتها الحق في الحياة والعلاج.
تكشف الأرقام الواردة في بيان منظمة “انتصاف” أن الحصار لم يعد يقتصر على القيود الاقتصادية، بل انعكس بصورة مباشرة على حياة المرضى، خصوصاً المصابين بالسرطان، عبر تعطيل وصول الأدوية والمستلزمات الطبية وإعاقة السفر للعلاج، ويشير ذلك إلى أن تداعيات الحصار لم تعد تقاس بالمؤشرات الاقتصادية وحدها، وإنما بقدرته على التأثير المباشر في فرص البقاء على قيد الحياة، وهو ما يفسر الارتفاع المستمر في معدلات الوفيات بين المرضى الذين يعتمد علاجهم على أدوية نوعية أو عمليات لا تتوفر داخل اليمن.
تعكس الإحصائيات المتعلقة بأطفال السرطان صورة مأساوية؛ إذ يواجه آلاف الأطفال نقصاً حاداً في الأدوية، بينما يحتاج مئات منهم إلى السفر لإجراء عمليات زراعة نخاع العظم أو تلقي العلاج الموجه خارج البلاد، وتحمل هذه الأرقام دلالة إنسانية عميقة، إذ يصبح مستقبل الطفل مرهوناً بقرارات سياسية وإجراءات حصار، بدلاً من أن يكون مرتبطاً بفرص العلاج والرعاية الطبية، الأمر الذي يضاعف من حجم المعاناة التي تعيشها الأسر اليمنية.
لا تقل معاناة النساء المصابات بالأورام خطورة، في ظل تراجع الخدمات الصحية ونقص العلاجات المتخصصة، وهو ما يضع المرأة أمام تحديات صحية وإنسانية مضاعفة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر اليمنية، ويؤكد ذلك أن المرأة لم تعد تواجه المرض وحده، بل تواجه أيضاً انهيار منظومة الرعاية الصحية، بما ينعكس على الأسرة بأكملها، باعتبارها الركيزة الأساسية للاستقرار الاجتماعي.
تُظهر البيانات حجم الأزمة الدوائية التي يعيشها اليمن، مع اختفاء مئات الأصناف العلاجية، بينها أدوية أساسية لعلاج السرطان، إضافة إلى انسحاب عشرات الشركات الدوائية العالمية من السوق اليمنية، وتكشف هذه المؤشرات أن المشكلة لم تعد مرتبطة بنقص مؤقت في الإمدادات، وإنما بتراجع القدرة الكاملة للمنظومة الصحية على توفير العلاج، الأمر الذي يرفع معدلات المضاعفات والوفيات، ويجعل آلاف المرضى أمام خيارات شبه معدومة.
من منظور القانون الدولي الإنساني، تؤكد المنظمات الحقوقية أن حرمان المدنيين من العلاج والأدوية المنقذة للحياة يمثل انتهاكاً للحقوق الأساسية المكفولة دولياً، خاصة عندما يطال الأطفال والنساء والمرضى الذين لا يملكون أي وسيلة لحماية أنفسهم، وتحمل هذه المعطيات أبعاداً قانونية تتجاوز البعد الإنساني، إذ تثير تساؤلات حول مسؤولية الأطراف المتسببة في استمرار القيود التي تحول دون وصول الدواء والعلاج، وما يترتب على ذلك من آثار قانونية وحقوقية.
لا يقتصر تأثير الحصار على المستشفيات ومراكز الأورام، بل يمتد إلى مختلف جوانب الحياة، من ارتفاع معدلات الفقر وسوء التغذية، إلى تراجع قدرة الأسر على تحمل تكاليف العلاج، وهو ما يضاعف من حجم الكارثة الإنسانية، ويؤكد هذا الترابط أن الأزمة الصحية أصبحت جزءاً من أزمة إنسانية شاملة، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والصحية بصورة تجعل الفئات الأكثر ضعفاً هي الأكثر تضرراً.
في ضوء هذه التطورات، دعت منظمة “انتصاف” الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وسائر المنظمات الدولية والحقوقية، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية، وفتح المطارات والمنافذ أمام المرضى، وتمكينهم من الحصول على العلاج المنقذ للحياة، وتعكس هذه الدعوات الحاجة إلى استجابة إنسانية عاجلة تضع حياة المدنيين فوق الاعتبارات السياسية، وتضمن وصول الخدمات الصحية للفئات الأكثر احتياجاً.
تكشف أزمة مرضى السرطان في اليمن عن أحد أكثر الوجوه قسوة للأزمة الإنسانية، حيث يتحول المرض من تحدٍ صحي إلى مأساة مركبة تتداخل فيها تداعيات الحصار ونقص الدواء وتعطل فرص العلاج. وبين الأرقام والإحصاءات، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً أن آلاف النساء والأطفال يعيشون يومياً معركة البقاء، في انتظار تدخل إنساني قادر على إعادة الأمل وإنقاذ الأرواح، بعيداً عن حسابات الصراع والسياسة.
*نقلاً عن موقع يمانيون
التعليقات مغلقة.