“الانحراف عن صراط الله وصناعة الأنداد”
صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي
في سياق المشروع القرآني الذي سعى من خلاله إلى إعادة بناء وعي الأمة على أسس إيمانية أصيلة، يقدّم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، رؤية عميقة تتجاوز الفهم السطحي للنصوص القرآنية، لتغوص في البنية النفسية والفكرية للإنسان، كاشفةً عن أخطر مظاهر الانحراف، صناعة الأنداد لله، ليس بالضرورة عبر عبادة الأصنام، بل عبر انحرافات خفية تتسلل إلى السلوك والوعي.
ينطلق الشهيد القائد من قاعدة مركزية في الدعوة، وهي أن معرفة الله سبحانه وتعالى مغروسة في الفطرة الإنسانية، هذا “الإيمان الجملي” يشكل أرضية مشتركة بين البشر، وهو ما يجعل الدعوة إلى الله ممكنة ومؤثرة، فالداعية لا يقدّم إلهاً جديداً، بل يذكّر الإنسان بما يعرفه في أعماقه، هذه الفكرة تحمل دلالة استراتيجية في الخطاب الدعوي؛ إذ تنقل الدعوة من مستوى الصراع العقدي إلى مستوى إحياء الفطرة وتصحيح الانحراف، وهو ما يمنحها قوة تأثير وواقعية في مخاطبة الإنسان.
في تفسيره لقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا}، يقدّم الشهيد القائد فهماً عميقاً يتجاوز المعنى التقليدي، فالأنداد، ليست فقط أصناماً تُعبد، بل هي كل ما يمنحه الإنسان موقع الطاعة والخضوع والتعظيم الذي يجب أن يكون خالصاً لله، وهنا تتجلى أخطر أبعاد الطرح، قد يكون الهوى نداً لله، وقد يكون الإنسان أو القيادة أو المنظومة الفكرية، بل قد تكون المصالح والرغبات نفسها، المعيار ليس في الشكل، بل في مستوى الطاعة والانقياد، فإذا خضع الإنسان لغير الله في ما يخالف الحق، فقد أقام له نداً من حيث لا يشعر.
يربط الشهيد القائد بين الخروج عن صراط الله المستقيم وبين الوقوع في شرك الأنداد، فالانحراف ليس مجرد خطأ فكري، بل هو حالة وجودية تجعل الإنسان عرضة للتبعية العمياء والانقياد لغير الحق، هذه العلاقة تكشف عن بُعد نفسي خطير، حين يفقد الإنسان بوصلته الإيمانية، يبحث عن بدائل يملأ بها الفراغ، فتتضخم في داخله قوى أخرى (شخصيات، أفكار، شهوات) لتأخذ مكان القيادة، وتتحول تدريجياً إلى “أنداد” تتحكم في قراراته.
في تفسيره لقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ}، يرفض الشهيد القائد توصيف الخطاب الإلهي بأنه “تحدٍ” بالمعنى البشري، معتبراً أن هذا التعبير غير دقيق، فالقرآن لا يتحدى البشر كأنداد، لأن التحدي يكون بين الأقران، بل يقدّم حجة هادية تكشف عجز الإنسان وتدعوه إلى الهداية، هذا الطرح يعيد ضبط المفهوم من إطار الصراع إلى إطار الهداية والتبيين، ويؤكد على علاقة العبودية المطلقة بين الخالق والمخلوق.
لا تقف هذه الرؤية عند حدود التفسير، بل تمتد إلى الواقع العملي، حيث يمكن إسقاط مفهوم “الأنداد” على أنماط متعددة من الهيمنة، التبعية الفكرية لثقافات منحرفة، والانقياد الأعمى لقيادات أو أنظمة، وتقديس الأشخاص أو المشاريع خارج ميزان الحق، والخضوع للهوى والمصلحة على حساب القيم، وهنا تتحول الفكرة إلى أداة نقدية حادة تكشف جذور الانحراف في الواقع، وتدعو إلى تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية غير المشروعة.
تؤكد رؤية الشهيد القائد أن أخطر معركة يخوضها الإنسان ليست مع الخارج، بل مع الداخل؛ مع مصادر التأثير التي قد تتحول إلى أنداد خفية، فالالتزام بصراط الله المستقيم ليس مجرد التزام شكلي، بل هو تحرر شامل من كل ما ينافس الله في القلب والعقل والسلوك، وبهذا الطرح، يقدّم الشهيد القائد مشروعاً قرآنياً يعيد تعريف التوحيد، ليس كمفهوم عقائدي مجرد، بل كمنهج حياة يحرر الإنسان من كل أشكال التبعية، ويعيد توجيهه نحو الله وحده، بوصفه المصدر الوحيد للحق والهداية.
*نقلاً عن موقع يمانيون
التعليقات مغلقة.