“الملف الأسود” .. كشف منظومة النهب وصراع الإرادات على الثروة والسيادة
صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي
لم يعد الحديث عن فساد النظام السابق في اليمن مجرد اتهامات عامة أو شعارات سياسية، بل تحوّل مع ما كشفه “الملف الأسود” على قناة المسيرة الفضائية، إلى سردية موثّقة بالأرقام والوثائق والتفاصيل الدقيقة، هذا الملف، الذي تضمن تحقيقات استقصائية ووثائق رسمية، لا يكشف فقط عن عمليات نهب ممنهجة للثروة النفطية، بل يفتح نافذة واسعة لفهم طبيعة الصراع في اليمن، صراع على السيادة قبل أن يكون صراعاً على السلطة.
تكشف الوثائق أن عملية نهب النفط اليمني لم تكن عشوائية، بل تمت عبر منظومة متكاملة تبدأ من التلاعب ببيانات الإنتاج وتنتهي بإخفاء العائدات، وكانت السعودية تدير مفاتيح اللعبة،
ففي قطاع (18) بمأرب والجوف، تشير الوثائق إلى أن شركات أجنبية وعلى رأسها شركة “هنت” الأمريكية، لعبت دوراً محورياً في، تقليل تقديرات الاحتياطي الحقيقي لإظهار الحقول أقل قيمة مما هي عليه، التلاعب بكميات الإنتاج المعلنة، بحيث يتم تصدير كميات أكبر من المسجلة رسمياً، وإخفاء جزء من العائدات عبر قنوات مالية خارجية، والدلالة الأهم هنا أن النهب لم يكن مجرد فساد مالي، بل إعادة تشكيل متعمدة للاقتصاد اليمني لإبقائه في حالة ضعف واعتماد دائم على السعودية.
أحد أخطر ما كشفه “الملف الأسود” هو البعد الإقليمي في تعطيل استثمار الثروة اليمنية.
الوثائق تشير إلى ضغوط سعودية مباشرة وغير مباشرة على شركات دولية لوقف أو تجميد أعمال التنقيب، وادعاءات بملكية أو نفوذ على مناطق نفطية في مأرب والجوف، وتدخلات أدت إلى انسحاب شركات عالمية في تسعينيات القرن الماضي من مشاريع واعدة، هذه المعطيات تضع النفط في قلب معادلة النفوذ، حيث لم يكن الهدف فقط الاستفادة من الموارد، بل منع اليمن من التحول إلى دولة منتجة وقوية اقتصادياً.
لا تكتمل صورة “الملف الأسود” دون التوقف عند الدور الداخلي للنظام السابق، الذي شكّل وفق الوثائق حلقة أساسية في سلسلة النهب، وأبرز ما تم كشفه، تورط مسؤولين كبار في توقيع اتفاقيات مجحفة مع الشركات الأجنبية، واستلام مبالغ مالية سرية (عمولات) خارج إطار الدولة، وتحويل جزء كبير من عائدات النفط إلى حسابات خاصة بدلاً من دخولها الموازنة العامة، والدلالة هنا عميقة، فلم يكن الفساد مجرد انحراف فردي، بل تحالف مصالح بين الداخل والخارج أدار عملية النهب لعقود.
في شبوة ومناطق أخرى، يكشف “الملف الأسود” عن صراعات معقدة حول السيطرة على القطاعات النفطية، خصوصاً القطاع (5) في عسيلان، هذه الصراعات اتخذت عدة أشكال،نزاعات قانونية بين شركات وأطراف محلية، وضغوط سياسية لإعادة توزيع الامتيازات، وتوترات ميدانية تحولت أحياناً إلى مواجهات مسلحة، ما يعكسه ذلك هو أن النفط لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح محركاً للصراع السياسي والعسكري.
من خلال قراءة شاملة لما ورد في “الملف الأسود”، يمكن استخلاص عدد من الدلالات العميقة، أهمها تفكيك الدولة اقتصادياً، من خلال النهب الممنهج أدى إلى حرمان اليمن من أهم موارده، ما أضعف مؤسسات الدولة وأفقدها القدرة على تقديم الخدمات، وكذا تكريس التبعية، والتحكم الخارجي في قطاع النفط الذي ساهم في إبقاء اليمن ضمن دائرة النفوذ الإقليمي والدولي، كذلك صناعة الفوضى والصراعات حول الموارد ساهمت في تغذية النزاعات الداخلية وإطالة أمد الأزمات، بالإضافة إلى غياب الشفافية تحولت الثروة النفطية إلى ملف مغلق، بعيد عن الرقابة الشعبية والمؤسسية.
“الملف الأسود” لا يمثل نهاية القصة، بل بدايتها، فالكشف عن هذه الحقائق يطرح سؤالاً جوهرياً، كيف يمكن استعادة ما تم نهبه؟ في ظل هذه المعطيات، يصبح الحديث عن مستقبل اليمن مرتبطاً بشكل مباشر بإعادة فتح هذا الملف، ليس فقط كوثيقة إدانة، بل كمنطلق لإعادة بناء الدولة على أسس الشفافية والسيادة، والعدالة في توزيع الثروة، لأن ما كشفته الوثائق يتجاوز الماضي، ليضع الحاضر والمستقبل أمام اختبار حقيقي.
*نقلاً عن موقع يمانيون
التعليقات مغلقة.