السلام عليك أيها اليمن .. بقلم الخبير الاستراتيجي المصري أحمد عز الدين

صنعاء سيتي | مقالات وآراء |‏

بقلم الخبير الاستراتيجي المصري: أحمد عز الدين

‏(1)‏
السلام عليك أيها اليمن ..‏
السلام على أرضك وقد كانت منبع العروبة ، وشريانها الدافق الأول الأصيل .‏
السلام على سمائك ، وقد كانت سلالم مجدٍ ، وأجنحة أساطير ، وأعمدة تاريخ جزيرة العرب ، ‏من أول الزمان إلى آخره ، ومن منبت الأرض إلى علّيين .‏
السلام على حدائق الثقافة العربية المثمرة في ربوعك ، وقد كانت ورودها اليانعة زينة ‏للناظرين .‏
السلام على أهلك الأكرمين ، الذين لم يشتروا السلامة بالرضوخ ، ولم ينحنوا لصواعق النار ، ‏وهي تتساقط كسفا من السماء ، ولم يخونوا صخور الجبال الشامخة التي تخللت أرواحهم ، ‏وكأن عزائمهم قد قُدّت من صلابتها.‏
السلام على روح العروبة الصافية ، وروح الإسلام النقية ، إذا ما تعانقتا ، وتداخلتا في سبيكة ‏واحدة ، لا انفصام في مركّبها الحضاري الفريد .‏
السلام على البكارة التي تشبه قلب الموجة العالية ، في قلب العاصفة والمحنة والزلزلة .‏
‏(2)‏
السلام عليك أيها اليمن ، وقد تكسّرت النصال على النصال ، في جسدك النازف بكبرياء ، ‏الصامد دون إدعاء ، الواقف وحده كالرمح ، لا تكسره العواصف ، ولا تصده الأنواء .‏
السلام على هذا الدم الشهيد ، الذي يُذبح من الوريد إلى الوريد ، تحت أنقاض البيوت الآمنة ، ‏وفي زحام الأسواق الرثة ، وفي الشوارع القديمة المختنقة .‏
السلام على دم أطفال لا يدركون ، من قتلهم ، ولماذا ؟ ، وعلى نساء يحتضن صغارهن ‏وكأنهن يردن أن يعيدوهم إلى أحشائهن ، خوفا من سكاكين الموت المشرعة .‏
هذه مدن وليست طوابق من شمع .‏
هذه شوارع وليست قطعا من الصلصال .‏
هذه بيوت وليست مكعبات من الورق .‏
هذه جسور وليست جبالا .‏
هذه أسواق لشراء ملابس العيد ، وليست مرابض نيران ، وقواعد صواريخ.‏
هؤلاء شيوخ ونساء وأطفال ، وليسوا رسوما في لوحة بألوان مائية لم تجف.‏
هذا لحم بشري وليس شواء على فحم متّقد .‏
هذا دم حيّ ، وليس أباريق مملوءة بالعصير .‏
‏(3)‏
السلام عليك أيها اليمن .‏
السلام على هذا الدم الشهيد ، الذي لا ينبت إلا غابات باسقة من الثأر ، وجبالا شاهقة من ‏الانتقام ، وبحورا مفتوحة من الكراهية .‏
السلام على الأجيال القادمة ، التي ستخرج من برك هذا الدم ، تماسيح مفترسة ، لا تستعيد ‏سكينتها إلا ببرك دم أكثر سخونة واتساعا ، تتمدد على شواطئ الخليج .‏
السلام على هذا الدم الشهيد ، ولا سلام على الذين لا يدركون أن الدم كالحقيقة ، لا تخيفه ‏شاشات الإعلام الكذوب ، ولا تغطية أوراق الصحف المشتراة ، ولا يردمه تراب الوقت ، ولا ‏يغطيه ضباب الأيام ، وعواصف الأزمنة .‏
لا سلام على أولئك المخادعين المأجورين الذين يبيعون ذهب أوطانهم ، بغبار سلطة لا قواعد ‏لها ، ويتدثّرون ثياب المحررين ، وهم العبيد ، ويعلقون أوسمة الشجاعة على صدورهم ، ‏ليغطوا بها قلوبا عليها أقفالها .‏
لا سلام على أولئك الذين يمدّون من ظهورهم جسورا ، كي تعبر عليها القوة الغاشمة ، إلى ‏قبور أمهاتهم ، وملاعب طفولتهم ، ومساكن أهليهم وذويهم ، لا سلام عليهم ، وهم عنوان ‏معركة قتل العربي للعربي ، والأخ الشقيق للأخ الشقيق ، لا سلام عليهم ، ولا مستقبل لهم ، ‏وإن توهموا أنهم الناجون والمفلحون ، فحصاد أعمالهم وأيامهم ، لن تكون غير حصاد الهشيم ‏‏.‏
‏(4)‏
السلام عليك أيها اليمن .‏
قلنا لهم أنها ليست لعبة ، وليست نزهة ، وليست رحلة قنص .‏
قلنا لهم أن السيوف التي تلمع في ألعاب الصيد ، وحفلات الشواء ، وطوابير الزينة ، لا تصلح ‏للمبارزة .‏
قلنا لهم أن اليد التي تطلق الطلقة الأولى ، ليست اليد التي ستطلق الطلقة الأخيرة .‏
قنا لهم أن الحكمة السياسية أم الحكمة العسكرية ، فإذا غابت الأولى ، غابت الثانية بالضرورة ‏‏.‏
قلنا لهم أن التكنولوجيا المشتراة المستعارة ، ليست بديلا صالحا للأيديولوجيا ، التي نبتت ‏أشجارها في تربة الأرض ، وارتوت بمائها .‏
قلنا لهم أن فرض الاستسلام غير المشروط بالقوة ، بتوسيع مدى القصف والدمار والحرائق ‏ونزيف الدم ، لا يفرض استسلاما ، ولا يحقق سلاما ، لأن الاستكبار في العنف ، والإمعان في ‏غطرسة القوة ، يملأ بنيان الرفض بزاد لا ينفد ، وبطاقة غضب تتجدد كلما أصبح اللجوء إلى ‏القتل والتدمير ، هو القانون الأعلى للحرب .‏
قلنا لهم أنتم تفتحون أفقا للقاعدة ، وتبنون صروحا لها ، وتحولون الجنوب كله إلى دولة ‏للفوضى ، وإلى دولة لداعش ، تتمدد بين حضرموت وشبوه والمهرة وأبين ولحج .‏
وهكذا ، فالمشهد أمامكم ناطق ، ليس في المكلا عاصمة حضرموت ، التي لُغّمت وفُجّرت فيها ‏كافة المعالم التاريخية والتراثية والدينية ، بعد أن عاشت تتنفس آمنة قرونا من الزمن ، وإنما ‏في عدن نفسها التي غدت ساحة لأعمال السلب والنهب ، ومعسكرا مفتوحا للفوضى ، منقسما ‏على نفسه ، ولاءا ونفوذا بين أمراء الإرهاب ، الذين يطبقون شرائعهم حسب نفوذهم في ‏الأحياء والشوارع والحارات ، ويعلقون رايات الفتنة ، حسبما تمددت قواهم ، واتسع مدى ‏أسلحتهم ، التي تطورت من البنادق الآلية إلى الدبابات الأمريكية ، ليصبح ميدان الصدام القادم ‏في دائرة أوسع بكثير من حدود اليمن .‏
قلنا لهم ، لكنهم لم يسمعوا غير أصوات الطامعين القادمين من وراء البحار والمحيطات ، وإلا ‏أصوات المغرضين الذين يريدون مقعدا زائلا للحكم ، فوق بحور من الدماء ، وتلال من ‏الجماجم ، قلنا لهم لكنهم أسرفوا في أمرهم ، فارتدت أعمالهم ، تصدعّا ، يؤذن بالدخول في ‏طور احتضار طويل .‏
‏(5)‏
السلام عليك أيها اليمن ..‏
لا بديل الآن عن أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية ، فلم يعد مقبولا ولا معقولا ولا مشروعا ‏ولا عادلا ، أن نسمي ” داعش ” و ” القاعدة ” بـ ” قوى المقاومة ” ولم يعد مقبولا ولا معقولا ‏ولا مشروعا ولا عادلا ، أن نطلق على أدوات القصف والهدم ” تحالفا عربيا ” هذا ليس تحالفا ‏عربيا ،
لا بالواقع ولا بالدلالة ولا بالمعنى ، ليس فقط لأن العروبة أقدس من أن تتحول إلى منصة ‏لإبادة شعب وهدم دولة ، وليس فقط لأن العروبة ، أطهر من أن تتحول إلى سلالم يتسلقها هذا ‏الغرب المأزوم المفلس ، بحواسه الاستعمارية المستيقظة ، ليقتات على لحم عربي ، ويرتوي ‏من دم عربي ، ويسرق كنوزا عربية ، وإنما فوق ذلك ، لأن من الكُفْر بالعروبة ، أن نضعها ‏مع الصهيونية في وعاء واحد ، ومع الإمبريالية في تجمع واحد ، ومع الاستعمار في طرف ‏معادلة واحدة ، وأن نطلق وصف العروبة على نقائضها ، في القول والفعل والأخلاق ‏ومنظومات القيم .‏
لا بديل الآن عن أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية ، فلم يعد مقبولا ولا معقولا ولا مشروعا ‏ولا عادلا ، أن نطلق على هدم أحياء بأكملها ، وعلى تدمير عشرات المستشفيات والمدارس ‏والمصانع والأسواق ودور العبادة ، والجسور والمتاحف ، أنه من قبيل أعمال القتال ، لأننا ‏نمنح استخدام القوة المسلحة مشروعية ، هي نقيض ما جاهدت البشرية على مر العصور ، ‏لأنسنة ظاهرة الحرب ، بالفصل الجازم بين المدني والعسكري ، وبين الحكومات والشعوب ، ‏ولأننا فوق ذلك ، إنما نبني قاعدة جديدة ، لإعادة تقدير حسابات أوزان الأدوار ومعاييرها في ‏الإقليم ، على قاعدة القوة المجردة ، لا على الاتساق التاريخي مع بنية المنطقة ونسيجها ‏الحضاري والثقافي والمجتمعي .‏
لا بديل الآن عن أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية ، هذه حرب ذات قناع طائفي ، لكنه كلما ‏احترق القناع وظهر ما تحته ، كلما تم تجديده والإضافة إليه ، وهكذا تم حشر الطائفية البغيضة ‏حتى في أسماء المعارك ، فمعركة ” مأرب ” المفصلية ، أطلقوا عليها اسم ” السيل الجرار ” ‏وهو اسم بالغ القدم ، كان عنوانا لكتاب فقيه سنّي يمني هو الإمام ” الشوكاني ” ولم يكن غير ‏ردّ على كتاب فقيه زيدي هو الإمام ” بن يحى المرتضى ” كان عنوانه ” حدائق الأزهار ” ، ‏ولو وقع ” أنصار الله ” في هذا الفخّ الطائفي ، لأطلقوا على ردهم الصاروخي في ” مأرب ” ‏اسم ” العطمطم الزخار ” وهو عنوان كتاب كتبه ” السماوي ” ردا على ” السيل الجرار ” ‏الذي كان بدوره ردا على “حدائق الأزهار” ، ليتحول الصراع من صراع فكري مجرد ، إلى ‏صراع طائفي بالحديد والنار ، لتقوم الفتنة ، ويتعمق الانقسام ، حتى ينقسم كل ضرع على ‏ضرعه .‏
لهذا فأننا لسنا أمام حرب طائفية ، وإنما أمام قناع طائفي ، لحرب هدفها استكمال الانقلاب ‏الاستراتيجي الشامل في أوضاع الإقليم ، والذي بدأ بالفتح الاستراتيجي الأمريكي لضرب ‏العراق ، وتواصلت مراحله في ، تونس وليبيا وسوريا ، بصيغ أخرى ، وهشمّت واجهته ‏مصر ، شعبا وجيشا .‏
غير أن أحدا لم يستعد لتلك الحكمة المتعددة المستويات ، التي اطلقها مع بدء العمليات ‏العسكرية الأمريكية في أفغانستان ” فان ديتيان جونج ” قائد حملة ” تشى منه ” وصاحب ‏الانتصار الكبير في فيتنام ، لقد كان المستوى الأول لهذه الحكمة ، يقول بلغة تقريرية صافية : ‏‏” إن القوة العسكرية الأمريكية لن تتمكن من كسر شوكة طالبان والقاعدة ” ، وكان المستوى ‏الثاني يقول : ” إن هذه الحرب لن تطفئ الحقد بل ستزيد من اشتعاله ، وستفجر أحقادا ” ، أما ‏المستوى الثالث فكان سؤالا مفتوحا هو : ” كيف سيخرجون من هناك ؟! ” .‏
‏(6)‏
السلام عليك أيها اليمن ، والسلام على نصب الجندي المصري المجهول في صنعاء ، ولعلّه ما ‏زال سالما بين شظايا القنابل العنقودية ، وروائح الموت التي تسري في الشوارع والأحياء ، ‏ومن المؤكد أن اليمن يتذكر في ذكرى ثورته ، أن هذا الجندي المصري لم يأت غاصبا ، ولم ‏يأت طامعا ، ولم يأت محتلا ، وإنما جاء محررا ، ومدافعا عن ثورة حقيقية ، وكما جاء مدافعا ‏عن استقلال اليمن ، وحرية إرادته ، جاء زارعا للحداثة والثقافة والتعليم والمدنية ، لأن مصر ‏لم تخرج يوما من حدودها غاصبة أو معتدية ، ولأن مصر في تاريخها المتضاعف الطويل ، ‏لم تتحول يوما واحدا ، إلى أمة لصّة .!‏
‏(7)‏
أيها المارون في زمن صعب .‏
ليس صعبا أن تمرّوا ..‏
أيها المارون في زمن وغد .‏
بمقدوركم أن تمرّوا ..‏
أعبروا بحر الرمال والرصاص والدم .‏
فثمة شاطئ آخر في نهاية الممر ..‏
يقف الموت عنده عاجزا .‏
ويقف التاريخ عنده شاهدا ..‏
‏” أفتمارونه على ما يرى “‏

التعليقات مغلقة.