مراجعة مع النفس..

صنعاء سيتي | مقالات | أمين الجرموزي

 

 

​في كل مرة كنت أقرأ فيها الآية الكريمة التي تقول: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً}، كنت أستغرب: لماذا ينقل الله عن نبيه هذا القول؟ ولماذا يشكو رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله أمتّه إلى ربها؟

​ألا يتخرج كل عام آلاف الحفظة لكتاب الله في كل بلد؟ ألا يقرأ المسلمون القرآن، وفي شهر رمضان يهرعون للتسابق في ختمه؟ ألا نقرأه على الأقل خمس مرات في صلواتنا اليومية؟ ألا يصدح القرآن من مآذن المساجد في كل حين؟
​إذن، لماذا خلد الله تعالى هذه الشكوى النبوية في كتابه الكريم؟

​لم أجد إلا إجابة واحدة لهذا السؤال، وهي أن “الهجر” المقصود ليس هجر الحروف، بل هو:
​هجر التدبّر والفهم.
​هجر العمل والامتثال.
​هجر التحكيم والمرجعية.

​لقد هجرنا تدبّره وفهمه؛ فأصبحت ألسنتنا تلهج بالقرآن بينما القلوب غافلة، نقرأ ولا يتغير في سلوكنا أو أخلاقنا أو تعاملاتنا شيء. هجرناه لأننا انشغلنا بـ “كم قرأت؟” بدلاً من “ماذا فهمت؟”

والأدهى من ذلك، أننا لجأنا إلى المرويات والأحاديث “بصحيحها وسقيمها” واعتمدناها دستوراً لنا، وهذا هو السبب الرئيسي في ضياعنا.

سأضرب لكم أمثلة بسيطة تجسد هذا الواقع:
​المثال الأول:
يقول الله عز وجل بوضوح: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً}، و”الصديقية” هي بلوغ غاية الصدق حتى يصبح منهج حياة. لكن الرواية تنسب له ثلاث كذبات (كقوله: “إني سقيم”، وقوله عن زوجته “أختي”)!

فكيف يُوصف إنسان بالصديقية المطلقة من الخالق، بينما يُنسب له الكذب في الموروث؟ إن هذا الاعتقاد هو طعن مباشر في عصمة الأنبياء وفي صدق وصف الله لهم، فالقرآن هو الأصدق قيلاً، وما عارضه لا بد أن يُرد.

​المثال الثاني:
في القرآن نجد الله يدافع عن نبيه بقوة ويُسفّه قول المشركين: {إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا}، ثم يقول: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا}. فالقرآن اعتبر وصف النبي بـ “المسحور” ضلالاً وظلماً.

بينما في الرواية يُحكى أن لبيد بن الأعصم سحر النبي حتى كان يُخيّل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله! فإذا كان النبي يُسحر ويُخيّل إليه ما لم يحدث، فكيف نثق في تمام التبليغ في تلك الفترة؟ هنا الرواية تعطي المشركين “صك براءة” في قولهم، وتجعل القرآن في موقف المحجوج أمام الرواية. وهذا مثال صارخ على تقديم “الظن” في الرواية على “اليقين” في حماية الله لنبيه.

​لقد هجرنا العمل بالقرآن والامتثال إليه، وهنا تكمن الخطورة الكبرى. نعم، حفظنا القرآن لكننا عطلنا مفاعيله. حالنا مع القرآن كمريض لديه “وصفة دواء” ظل يقرؤها ليل نهار، ويجود حروفها، ويحفظ أسماء الأدوية فيها، لكنه لم يتناول الدواء أبداً.. فهل سيشفى؟

القرآن هو الدواء، والقراءة هي معرفة الوصفة، أما العمل فهو “تناول الدواء”. لقد استبدلنا تشريعات القرآن بمرويات تخالف محكم التنزيل، ولذلك صرنا نسمع عن “حافظ للقرآن” يفجر نفسه في سوق أو مسجد! لماذا؟ لأنه يحفظ الحروف ويجهل الروح؛ اتخذ من الموروث وأقوال البشر دستوراً له، دون أن يدرك أن كثيراً منها يهدم القرآن الذي يحمله في صدره.

​وأخيراً، هجرنا تحكيمه فينا..
لقد عطلنا كون القرآن “مهيمناً” على ما سواه، الهجر الحقيقي هو أن نُحيي القرآن في الصلاة ونُميته في المعاملات، أن نرفعه فوق الرؤوس في المناسبات ونضعه في الرفوف عند تنازع المصالح. هجرنا التحكيم حين جعلنا قول فلان وعلان “قاضياً” على نص الله، وحين قدمنا “الفهم البشري” المحدود بزمانه ومكانه على “النص الإلهي” المطلق في عدله ورحمته.

​إن العودة للقرآن تبدأ حين نجرؤ على عرض كل موروثنا على ميزانه الصارم؛ فما وافق عدل القرآن ورحمته وحريته فهو منا، وما خالف ذلك فهو هجران لرسالة الله، وتمادٍ في الشكوى التي رفعها الرسول صلوات الله عليه وعلى آله إلى ربه منذ قرون.. وما زال صداها يتردد في واقعنا المرير.

التعليقات مغلقة.