غزة بعد ثلاثة أعوام.. كلفة حربٍ لا تنتهي وقصة صمود يرويها الزمن

صنعاء سيتي | تقرير خاص

ثلاثة أعوام.. مدة تبدو في الأحوال العادية قصيرة ومعدودة؛ فهي تكفي لطفل لينتقل بين صفوفه الدراسية، ولمولود أن يخطو خطواته الأولى ويتعلم الكلام، ولأسرة أن تؤسس استقرارها في تفاصيل صغيرة مألوفة، كطريق العمل، وجيرة الأيام، ومائدة تجتمع حولها العائلة في نهاية النهار.

لكن الأعوام الثلاثة مرّت على قطاع غزة على نحو مختلف تماماً.

ففي واقع فرضته الحرب المستمرة، كبر أطفال بين خيمة وأخرى، ووُلد جيل لا يعرف البيت إلا حكايات ترويها عائلاته، وتعاقبت فصول الصيف الشاسية والشتاء القارس على أسر غادرت مساكنها ببعض المتاع ظناً أن الغياب سيكون عابراً.

ومع تطاول الأمد، تحولت غزة إلى مساحة بات فيها الزمن نفسه جزءاً من الأزمة.

أرقام العام الثالث.. حين تصبح المعاناة إحصاءات ثقيلة

تكشف تقارير العام الثالث (2026) حجم التراكم الإنساني والمعيشي القاسي الذي يعانيه القطاع:

  • المأوى والنزوح: مع حلول سبتمبر، كان 94% من سكان غزة بحاجة ماسة إلى المأوى والمستلزمات الأساسية، بينما عاشت 65% من الأسر في خيام ومآوٍ مؤقتة. ولا يزال أكثر من 464 ألف شخص يقيمون في مئات مواقع النزوح المعرضة لخطر الفيضانات مع اقتراب فصل الشتاء.

  • الأمن الغذائي: واجه أكثر من 1.2 مليون شخص (59% من السكان) مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. ورغم عمل العشرات من المطابخ الإنسانية على توزيع مئات آلاف الوجبات يومياً، إلا أن الحصص تظل عاجزة عن تلبية سوى جزء يسير من الحد الأدنى لاحتياجات الأسرة.

  • أزمة المياه والصحة: عانت 91% من الأسر درجات مقلقة من انعدام الأمن المائي، وسُجلت نسب تلوث ميكروبي عالية في مصادر المياه، ما فاقم من انتشار الأمراض الجلدية والمعوية؛ حيث رُصدت وحدها عشرات الآلاف من حالات الإصابة بعدوى القوباء البكتيرية بين الأطفال بسبب الاكتظاظ وشح المياه.

جيلٌ يقيس عمرَه بالحرب

للأطفال في غزة حسابات أخرى للسنوات الثلاث. فمن كان في السادسة مع اندلاع الأحداث يقترب اليوم من عامه التاسع، ومن ولد في أتون الحرب بلغ عامه الثالث.

وفي ظل بدء عام دراسي جديد عبر عشرات المساحات التعليمية المؤقتة وجهود إزالة الركام، لا تمثل المدرسة مجرد مكان لتلقي العلم فحسب، بل تبدو مساحة للاستقرار النفسي، وساعات منتظمة في يوم مضطرب وسط الرفاق والمعلمين.

تطور العمل الإنساني.. من طوارئ اللحظة إلى استدامة البقاء

مع طول أمد الأزمة، اضطرت المنظمات الإنسانية -مثل هيومان أبيل التي ضاعفت طواقمها المحلية عشرات المرات- إلى إعادة هندسة تدخلاتها. فلم تعد المساعدات تقتصر على إمدادات الطوارئ العاجلة من وجبات ساخنة وخبز وطرود غذائية ومياه، بل امتدت لتشمل مسارات أعمق:

  • تطوير وحدات تحلية مياه منتظمة.

  • إطلاق عيادات متنقلة وبرامج تأهيل متخصصة وتوفير أطراف صناعية للمصابين.

  • التوسع في إنشاء مدارس الطوارئ ومسارح الدعم النفسي والكفالات للأيتام.

  • الانتقال التدريجي نحو توفير وحدات سكنية ملائمة وإصلاح ما يمكن إصلاحه من البنى التحتية المتضررة.

خاتمة: كيف يستمر الناس اليوم، وكيف يستعيدون غدًا؟

بعد ثلاثة أعوام من الحرب والمعاناة المتداخلة، لا تزال غزة تقف عند ذات المطالب الأساسية: طعام يسد الجوع، ماء يروي العطش، دواء للمريض، ومأوى يحفظ الكرامة. غير أن السنوات الممتدة خلّفت جبالاً من الحاجات التي لا عالجها الإغاثة التقليدية وحدها.

ومع بداية عام رابع، يبقى السؤال الأثقل معلقاً بلا جواب قاطع: كيف يستمر الناس في مواجهة تفاصيل يومهم الشاق، ومتى يستعيدون غداً تحيا فيه الحياة بكرامة واستقرار؟

التعليقات مغلقة.