عقيدة التوحش في «ذو باب»: رسائل المأزق السعودي واستدعاء أداة «داعش» بالمدرعات الأمريكية
صنعاء سيتي | تقرير
لا يمكن فصل مشاهد الإعدام الميداني والدهس بالمدرعات الأمريكية بحق أسرى القوات المسلحة في أطراف مديرية ذو باب، ومن قبلها سحل الجثامين في تعز، عن سياق التحولات الميدانية والسياسية التي تحكم مسار الصراع؛ فهذه المشاهد ليست انفلاتاً فردياً بقدر ما هي استدعاء محسوب لـ «عقيدة التوحش» بوصفها أداة ضغط استراتيجي تلجأ إليها غرفة عمليات التحالف في لحظات الانسداد العملياتي.
إن التبني الإعلامي وتصوير وقائع التصفية والتفاخر بها يتجاوزان البعد الانتقامي المباشر؛ إذ يعكسان محاولة ممنهجة لإعادة هندسة الردع النفسي وكسر معنويات المقاتل والشارع اليمني بعد تآكل فاعلية الترسانة الجوية والتسليحية للرياض. غير أن قراءة ما وراء البيانات الرسمية الصادرة من صنعاء توضح أن هذه الممارسات فضحت البنية التكوينية للأدوات الميدانية التابعة للرياض، وأعادت تثبيت الترابط العضوي بين الأجندة السعودية وتكتيكات الجماعات التكفيرية.
تتطابق ممارسات الإعدام والدهس بالسلاح والآليات الأمريكية مع البصمة التقليدية لجماعات العنف الديني كـ «داعش والقاعدة»، حيث يُوظّف المشهد البصري المروع كرسالة إرهاب نفسي موجهة للداخل اليمني وللجبهة المواجهة. غير أن التحليل العسكري يثبت أن اللجوء إلى انتهاك قواعد الاشتباك وتصفية العزل هو دائماً مؤشر ضعف عملياتي؛ فعندما تعجز التحشيدات عن فرض واقع جغرافي مستقر، تلجأ إلى تصدير الفظائع كبديل معنوي للتغطية على الإخفاق في كسر الخطوط الدفاعية.
وفي المقابل، تفشل هذه الحسابات في حسابات الميدان؛ إذ تُظهر الاستجابة الشعبية والعسكرية في صنعاء أن صدمة التوحش لا تنتج انكفاءً أو تراجعاً، بل تتحول بنيوياً إلى محفز تعبوي يعزز تماسك الجبهة الداخلية، ويعيد تسليط الضوء على طبيعة المعركة باعتبارها مواجهة حتمية ضد مشروع إرهابي مدعوم خارجياً، لا خلافاً عسكرياً تقليدياً يخضع لمنطق التهدئة.
-
تكتيك الصدمة والترويع: استخدام الدهس والإعدام بالرصاص لإحداث صدمة نفسية لتعويض العجز التكتيكي.
-
البصمة الداعشية الممنهجة: استنساخ سيناريوهات التوثيق المرئي الاحترافي للجريمة لتوظيفها دعائياً.
-
الانعكاس التعبوي العكسي: تحول الجريمة إلى وقود تعبوي ميداني يرفع وتيرة التلاحم والردع.
-
تطابق مسارح العمليات: ترابط حوادث ذو باب وتعز والساحل الغربي كخط بياني واحد لعقيدة التحالف.\
تكشف جريمة ذو باب بوضوح زيف سردية “مكافحة الإرهاب” التي طالما وظفتها واشنطن والرياض لتبرير حضورهما في الجغرافيا اليمنية. فالتحقيقات الدولية الاستقصائية أثبتت مسبقاً وجود خط إمداد وتسليح مباشر يدمج عناصر التنظيمات التكفيرية ضمن التشكيلات العسكرية الموالية للتحالف؛ واليوم يأتي استخدام مدرعة أمريكية الصنع في سحل ودهس الأسرى ليقدم دليلاً عينياً على التقاطع الكامل بين التسليح الأمريكي، والتمويل السعودي، والعقيدة التكفيرية على الأرض.
هذا التناغم الثلاثي ليس عفوياً، بل يمثل جوهر إدارة الحرب بالوكالة؛ حيث تحتاج الرياض إلى قوة مشاة عقائدية تملأ الفراغ في خطوط التماس دون اكتراث بالقوانين الدولية، بينما تؤمن واشنطن المظلة السياسية وصفقات السلاح الحديثة التي تنتهي في أيدي هؤلاء المقاتلين. وعليه، فإن الجريمة لا تضع التشكيل المنفذ في قفص الاتهام وحده، بل تدين المنظومة المشغّلة بأكملها بدءاً من مخازن البنتاغون وصولاً إلى غرف القيادة والسيطرة السعودية.
على المستوى القانوني، فإن تصفية الأسرى ودهسهم يسقطان بالكامل أي ادعاء لالتزام التحالف بالقانون الدولي الإنساني أو اتفاقيات جنيف، لا سيما المادة (13) من الاتفاقية الثالثة والمادة المشتركة الثالثة، فضلاً عن نظام روما الأساسي. فالأسر يُسقط صفة الاستهداف العسكري ويمنح المقاتل حصانة قانونية فورية، مما يجعل هذا السلوك جرائم حرب موصوفة ومكتملة الأركان خاضعة للاختصاص الجنائي الدولي.
غير أن السلوك الميداني السعودي يستند في الأساس إلى يقين مسبق بالإفلات من العقاب، محتمياً بغطاء المنظومة الدولية التي تكتفي بالبيانات الهامشية وتتغاضى عن الانتهاكات الجسيمة بضغط من القوى الكبرى في مجلس الأمن. هذا الصمت الأممي لم يعد مجرد عجز إداري، بل غدا شريكاً بنيوياً في تمييع جرائم الحرب وتشجيع الطرف المعتدي على تجاوز كافة الخطوط الحمراء طالما بقيت المصالح الاقتصادية والسياسية سائدة على حساب العدالة الإنسانية.
إن الاحتكام إلى توثيق وتدوين هذه الجرائم لا يقتصر على البعد الحقوقي للملاحقة الجنائية التي لا تسقط بالتقادم، بل يرسم المسار الحتمي لإدارة الصراع في المرحلة المقبلة. لقد أثبتت وقائع ذو باب وتعز أن محاولات الرهان على التهدئة السياسية مع أدوات تتبنى عقيدة الاستئصال هي رهانات ساقطة موضوعياً.
وبناءً على ذلك، يصبح تعزيز خيارات الردع العسكري وكسر آلة التوحش التكفيري المدعومة سعودياً وأمريكياً هو الضمانة الوحيدة لحماية دماء اليمنيين وصون سيادتهم. فالمعادلة التي يفرضها الميدان اليوم تؤكد أن حسم المعركة وإنهاء الحصار لا يتحققان عبر مناشدة المنظومة الدولية، بل من خلال تثبيت موازين القوة وتجريد النظام السعودي من أدواته الإرهابية حتى إلزامه بالاعتراف الكامل بفشله ووقف عدوانه بصورة تامة.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.