الموت بأمر أمريكي سعودي: بيان الصحة بصنعاء يعري التواطؤ الأممي وجريمة الحصار الطبي الشامل
صنعاء سيتي | تقرير
لم تكن الحرب الاقتصادية والبيولوجية التي قادتها غرفة العمليات الأمريكية والسعودية ضد الشعب اليمني على مدى اثني عشر عاماً مجرد إجراءات عقابية موازية للميدان العسكري، بل استراتيجية عدوانية مكتملة الأركان وظفت «الحصار الدوائي» كأداة قتل صامت لإخضاع الجبهة الداخلية وكسر الإرادة الشعبية الصامدة في المحافظات الحرة. إن تجريد القطاع الصحي من مقومات بقائه لم يكن نتيجة جانبية للصراع، بل جاء نتاج خطة منهجية مدروسة استهدفت تدمير البنية التحتية للمستشفيات، وضرب سلاسل الإمداد اللوجستية، وتجفيف السيولة النقدية للقطاع الطبي عبر القرار العدواني بنقل وظائف البنك المركزي إلى عدن عام 2016م بهدف تعطيل فاتورة استيراد الدواء السيادي وقطع مرتبات الكوادر الطبية لعقد كامل.
يأتي بيان وزارة الصحة والبيئة في صنعاء الصادر في 30 أغسطس 2026م ليوثق انتقال هذا العدوان من مرحلة الحصار التقليدي إلى مرحلة التصفية الشاملة للخدمات الطبية، متزامناً مع الانسحاب الممنهج والتواطؤ المفضوح للوكالات الأممية التي تحولت من جهات إغاثية إلى أدوات ضغط سياسي وابتزاز مالي تخدم أهداف العدوان. هذا التقرير يفكك البنية الهيكلية لهذه الجريمة المنظمة عبر مقاربة البيانات الرسمية الصادمة بالوقائع الميدانية والأدلة الجنائية المثبتة طوال اثني عشر عاماً من الاستهداف المباشر وغير المباشر للمنظومة الصحية في الجمهورية اليمنية.
تكشف بيانات وزارة الصحة عن فجوة دوائية قاتلة فرضها الحصار الأمريكي-السعودي وتهدد حياة أكثر من 1.5 مليون مريض بالسكري في اليمن؛ حيث بلغ العجز في الأنسولين المخلوط (المعكر) قرابة المليون وحدة سنوياً، مع انعدام كلي للأنسولين الصافي (30 ألف عبوة) وطويل المفعول (10 آلاف عبوة)، وأقراص السكري الكاذب (60 ألف قرص). هذه الأرقام تتطابق مع واقع ميداني فرضته السيطرة العسكرية للتحالف على الأجواء اليمنية؛ فإغلاق مطار صنعاء الدولي حرم البلاد من الاستيراد الجوي المباشر للشحنات الحساسة لدرجات الحرارة، والتي تتطلب حفظاً صارماً بين 2 إلى 8 درجات مئوية وفق معايير منظمة الصحة العالمية ودستور الأدوية الدولي.
إن إجبار مستوردي الأدوية على تفريغ الشحنات في الموانئ الخاضعة لسيطرة تحالف العدوان ونقلها براً عبر خطوط تماس ملتهبة ومسارات وعرة تتجاوز مسافتها 1200 كيلومتر (مثل طريق عدن – الضالع – صنعاء أو شحن – مأرب)، يؤدي إلى كسر حتمي في «سلسلة التبريد» (Cold Chain). وتؤكد الدراسات الصيدلانية الميدانية أن تعرض الأنسولين وبروتينات الدم لدرجات حرارة تتجاوز 30 درجة مئوية لساعات طويلة يفقدها فاعليتها البيولوجية ويحولها إلى مركبات سامة، ما تسبب في ارتفاع غير مسبوق في حالات الحماض الكيتوني السكري (DKA) والوفيات المفاجئة بين الأطفال المصابين بالنوع الأول من السكري.
هذا الحصار الممنهج خلق سوقاً سوداء قسرية تتدفق عبرها أدوية مهربة وغير مطابقة للمواصفات، في ظل عجز شحنات الصليب الأحمر المحدودة (130 ألف أمبولة أنسولين) عن تغطية سوى نزر يسير من الاحتياج الفعلي. إن تحويل مادة علاجية حيوية ورخيصة التكلفة عالمياً كالأنسولين إلى سلعة نادرة يمثل جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان تستهدف استنزاف الأسر اليمنية مالياً وإبادة مرضاها جسدياً ضمن خطط العدوان الشامل.
تظهر لغة الأرقام في البيان الرسمي كارثة إنسانية تواجه مرضى اضطرابات النزف الدموي والتكسر؛ حيث تعاني المستشفيات في المحافظات الحرة من عجز كلي في توفير 100 ألف فيالة من العامل الثامن (Factor VIII)، و50 ألف فيالة من العامل التاسع (Factor IX)، و200 ألف وحدة من الهيبارين، بجانب الحاجة الملحة إلى أكثر من 2.67 مليون كبسولة لمرضى الثلاسيميا. هذا النقص الحاد يقترن بتعطيل استيراد 100 ألف عبوة من الألبومين البشري و200 ألف فيالة من هرمون الإريثروبيوتين الضروري لمرضى الفشل الكلوي والأورام لتقليل الحاجة لنقل الدم قبل وبعد الجراحات الكبرى.
خلفية هذه الكارثة ترتبط باستهداف تحالف العدوان المباشر للمركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه في صنعاء بالقصف والتهديد منذ بدايات الحرب، وفرض قيود خانقة عبر «آلية التفتيش الأممية» (UNVIM) التي تُستخدم كأداة عرقلة لاحتجاز سفن محاليل بنوك الدم، وأكياس التبرع المزدوجة والثلاثية، والكواشف الفيروسية الدقيقة (ELISA وCLIA). إن انعدام عوامل التجلط حول أبسط الرضوض أو الإصابات العادية لدى أطفال الهيموفيليا إلى نزيف داخلي قاتل في المفاصل والدماغ، مما ضاعف نسبة الإعاقات الحركية الدائمة والوفيات المسجلة لدى الجمعية اليمنية لمرضى الهيموفيليا بنسب تجاوزت 400% مقارنة ما قبل العدوان.
يتوازى ذلك مع شلل برامج رعاية الأمومة والطفولة نتيجة انعدام 25 ألف عبوة من لقاح “أنتي دي” الوقائي للأمهات، وفقدان 2.48 مليون فيالة من هرمون الأوكسيتوسين المخصص لمنع نزيف ما بعد الولادة، ما جعل اليمن يسجل معدلات كارثية في وفيات الأمهات. ولم تسلم الفئات المعرضة للأوبئة الحيوانية؛ إذ تسبب احتجاز 40 ألف جرعة من مصل ولقاح داء الكلب في وفاة المئات من المواطنين في المناطق الريفية نتيجة انتشار الكلاب الضالة المتأثرة بمخلفات القصف وانعدام التدخلات البيطرية والبلدية الوقائية بفعل الحصار.
يمثل الحظر الشامل المفروض من قبل تحالف العدوان على استيراد الغازات الطبية وأدوية التخدير والإنعاش الركيزة الأخطر في شل البنية التحتية الجراحية باليمن؛ إذ حظر التحالف دخول أدوية التخدير الوريدي والاستنشاقي (مثل الهالوثان، الإيزوفلوران، والبروبوفول) ومرخيات العضلات تحت ذرائع أمنية واهية. هذا الإجراء أدى مباشرة إلى إغلاق أكثر من 60% من غرف العمليات في المستشفيات المركزية كـ«مجمع الثورة النموذجي» و«مستشفى الكويت الجامعي»، وتعليق آلاف العمليات المجدولة والمنقذة للحياة، وخاصة جراحات القلب المفتوح، واستئصال الأورام السرطانية، والتشوهات الخلقية الناجمة عن استخدام العدوان لأسلحة محرمة دولياً كالقنابل العنقودية في محافظات صعدة وحجة والحديدة.
لم تكتفِ دول العدوان بمنع وصول المستلزمات الطبية، بل استهدفت شبكة الطاقة المغذية لأقسام العناية المركزة وحواضن الأطفال ومحطات توليد الأكسجين، من خلال الاحتجاز الدوري لسفن المشتقات النفطية في البحر الأحمر عبر آلية الحصار الأممية. هذا الحصار الطاقوي تسبب في فواجع موثقة، كان أبرزها انقطاع الكهرباء عن مراكز الغسيل الكلوي ومراكز رعاية الخدج، مما جعل وحدات الإنعاش عاجزة تماماً عن تقديم الاستجابة الطارئة لجرحى الغارات الجوية والمرضى الحرجين.
إن ربط استيراد أجهزة الأشعة المقطعية، ومستلزمات القسطرة القلبية، وفلاتر الغسيل الكلوي بالحصول على تراخيص مسبقة من غرفة عمليات العدوان يمثل خرقاً صريحاً للمادة 56 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم القائمين بالنزاع بضمان واستمرار عمل المنشآت الطبية وتقديم الرعاية للمدنيين دون قيد أو شرط.
يكشف بيان وزارة الصحة بصنعاء بالأرقام مسار الانهيار المصطنع الذي تقوده الوكالات الأممية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية (WHO) واليونيسف (UNICEF). هذا التراجع ليس نتيجة «عجز تمويلي» مزعوم، بل تنفيذاً لسياسة عقابية موجهة بضغوط أمريكية وسعودية؛ فبعد أن كانت نسبة تنفيذ خطة الاستجابة الصحية في اليمن تقف عند 19% فقط عام 2019م بعجز بلغ 81%، تدحرجت النسبة هبوطاً لتصل إلى ما دون 5% في عام 2025م، وصولاً إلى الانعدام التام في العام الحالي 2026م، رغم مليارات الدولارات التي تجمعها الأمم المتحدة سنوياً باسم «الإغاثة في اليمن» وتُصرف في نفقات لوجستية ومرتبات خيالية لموظفيها الدوليين تتجاوز 70% من إجمالي المنح.
تجلى هذا المخطط الإجرامي في تجميد تمويلات حيوية شملت أكثر من 48 مليون دولار للأدوية المنقذة للحياة والمستلزمات في عام واحد، بجانب حرمان القطاع من 16.3 مليون دولار للنفقات التشغيلية للمستشفيات و14.1 مليون دولار للتجهيزات، ما أدى إلى إغلاق برامج التغذية الوقائية في 3000 مرفق صحي تخدم أكثر من مليون طفل يمني يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم (SAM). وجاء قرار الصحة العالمية واليونيسف في نوفمبر 2025م بوقف الدعم الميداني عن ثلثي المناطق في المحافظات الحرة ليوجه الضربة القاضية لبرامج الترصد الوبائي لمكافحة الكوليرا والدفتيريا وشلل الأطفال.
إن تورط هذه الهيئات في احتجاز الشحنات الطبية والأجهزة التشخيصية في موانئ الجوار ومخازن المنظمات لشهور طويلة بدعوى «إجراءات التدقيق والاشتراطات الرقابية» يثبت تماهيها الكامل مع أهداف العدوان في تحويل الدواء والمساعدات الإنسانية إلى ورقة ضغط سياسي ومساومة لانتزاع تنازلات عجز التحالف عن تحقيقها في الميدان العسكري، وهو ما يضع هذه المنظمات في دائرة الشراكة الفعلية بجرائم حرب الإبادة ضد الشعب اليمني.
تثبت الوقائع الميدانية والأدلة القانونية أن الجرائم المرتكبة ضد المنظومة الصحية في اليمن عبر الحصار الشامل الممنهج واستهداف سلاسل توريد الدواء والغذاء لـ 30 مليون إنسان تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إن استمرار الصمت الدولي وغطاء المنظمات الأممية لا يبرران تعطيل قواعد حماية المدنيين، ولن يغير من حقيقة أن الشعب اليمني ومؤسساته الرسمية يمتلكون كامل المشروعية السيادية والقانونية في الدفاع عن مقدراتهم وحقهم في الحياة.
إن صنعاء اليوم، من موقع القوة والثبات الصمودي، لا تقدم استجداءً للمجتمع الدولي، بل تضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية، مؤكدة أن فتح مطار صنعاء الدولي بشكل كامل ومستدام، والإفراج الفوري عن كافة الشحنات والمستلزمات الطبية المحتجزة، ورفع الحصار الجائر، هي استحقاقات سيادية وإنسانية غير قابلة للمساومة أو الابتزاز. وإن الجمهورية اليمنية تحتفظ بكامل خياراتها للرد على هذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها وقادة تحالف العدوان والجهات الأممية المتواطئة أمام المحافل والمحاكم الجنائية الدولية، حمايةً لأرواح ملايين اليمنيين وتثبيتاً لحق الوطن المشروع في العزة والسيادة والكرامة.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.