المعادلة اليمنية تتسع: «رجوم» تحوّل تفوق صنعاء في الميدان إلى كلفة على تحشيدات العدو السعودي وتفرض «الحصار بالحصار» على جبهاته البرية

صنعاء سيتي | تقرير 

 

تضع المشاهد التي وثقها الإعلام الحربي لعمليات طائرة “رجوم” المسيّرة حداً حاسماً للمفاهيم التقليدية لإدارة المعارك البرية في جبهتي مأرب والساحل الغربي؛ إذ تُبرز انتقالاً عملياتياً نوعياً يرتكز على فرض سيطرة نارية تكتيكية دقيقة ومباشرة في خطوط التماس الأمامية. هذا النمط من الإسناد الجوي القريب يوفر للقوات الميدانية قدرة الرصد والتوجيه والقصف الرأسي المتزامن، محولاً التحشيدات المعادية المكشوفة إلى أهداف سهلة التدمير دون الحاجة إلى التمهيد الناري التقليدي للمدفعية أو الصواريخ.
يأتي هذا الإنجاز التكتيكي كحلقة مركزية ضمن مسار ردع متكامل طورته القوات المسلحة اليمنية؛ إذ لم تعد الفاعلية التسليحية لصنعاء مقتصرة على توجيه ضربات العمق أو فرض الحظر البحري في البحر الأحمر، بل امتدت لتشمل تصفية التهديدات البرية وإفشال مخططات العدو السعودي في مهدها. وتؤكد المشاهد قدرة العقل العسكري اليمني على تطويع التكنولوجيا غير النمطية لخدمة خطط التثبيت الميداني، كاسراً الرهان على فارق التسليح والإنفاق العسكري للتحالف.

تفكيك النسق الدفاعي المعادي:

تكشف المشاهد المنشورة عن توظيف دقيق لطائرة “رجوم” — وهي منظومة مسيّرة عمودية الإقلاع والهبوط متعددة المراوح — في تنفيذ ضربات جراحية ضد تحصينات وآليات وتجمعات قوات العدو السعودي وأدواته. وثقت العدسات استهداف الأفراد ولحظات ترجلهم، واختراق نقاط التموضع خلف السواتر الترابية وتحت الأشجار والجدران، حيث تسقط الذخائر بزاوية عمودية قائمة (90 درجة) لتُبطل فاعلية التحصينات الأفقية وتخترق الأطقم والمدرعات في أضعف نقاط تدريعها العلوية.
أدى هذا الاستهداف الرأسي المركز إلى إرباك الخطوط الدفاعية للعدو وشل قدرته على المناورة؛ فالطيران الهادئ والتحليق المنخفض والبصمة الرادارية الصغرى لطائرة “رجوم” حرمت القوات المستهدفة من أي إنذار مبكر، مما جعل التجمعات العسكرية في مأرب والساحل الغربي في حالة انكشاف دائم. هذا الشلل الناري حال دون تنفيذ أي عمليات إمداد أو إعادة تموضع، وفرض على العدو تشتتاً عشوائياً وثقته كاميرات الرصد بفرار الأفراد تاركين آلياتهم ومواقعهم تحت النيران.
يُمثل هذا النمط القتالي ذروة “حرب الاستنزاف التكتيكية” بأقل كلفة تشغيلية ممكنة؛ حيث تنجح قذائف هاون ومقذوفات معدلة محلياً — محمولة على مسيرات منخفضة التكلفة — في تدمير أطقم عسكرية ودبابات تبلغ قيمتها ملايين الدولارات. هذا التباين في معادلة الكلفة أسقط فاعلية المنظومات الدفاعية الميدانية، وجعل من استمرار التحشيد البري عبئاً عسكرياً ومالياً باهظاً يعجز العدو عن تحمله على المدى الطويل.
  • طبيعة السلاح: مسيّرة “رجوم” متعددة المراوح (Hexacopter / Octocopter) مخصصة للإسقاط العمودي المباشر.
  • بنك الأهداف: أطقم مسلحة، دبابات، آليات مدرعة، خيام قيادية، وتحصينات رملية في مأرب والساحل الغربي.
  • زاوية الرماية: إسقاط رأسي بزاوية 90 درجة يحيّد التدريع الجانبي للمدرعات ويخترق السواتر الترابية.
  • الأثر التكتيكي: تدمير مباشر، حرمان من المناورة، إفشال الإمداد المتقدم، وخفض الكلفة التشغيلية مقابل خسائر العدو.

تكامل المسيرات التكتيكية والاستراتيجية:

لا تنفصل طائرة “رجوم” عن الهيكل الشامل لمنظومات سلاح الجو المسير اليمني؛ فبينما تتخصص “رجوم” في توفير الغطاء الناري المباشر للاشتباك القريب داخل مسارح العمليات التكتيكية، تتكامل أدوارها مع طائرات “قاصف 2K” و”راصد” و”رقيب” المعنية بالهجوم التعبوي والاستطلاع، في حين تغطي طرازات “صماد” بمختلف أجيالها و”وعيد” و”خاطف” المديات العملياتية والاستراتيجية متجاوزة آلاف الكيلومترات في عمق دول العدوان.
يُظهر هذا التدرج في المهام امتلاك صنعاء بنية تصنيعية وعملياتية ناضجة تدير المعركة على نسقين متوازيين؛ نسق استراتيجي ضرب مصافي أرامكو في “بقيق وخريص” وموانئ التصدير في عمليات “توازن الردع” وسلسلة “كسر الحصار”، ونسق تكتيكي تمثله “رجوم” لتمزيق التحشيدات البرية وإبطال التفوق الناري التقليدي لتحالف العدوان على خطوط التماس، مما خلق توازناً ميدانياً صلباً يحمي الجبهات الداخلية.
امتد هذا المسار الردعي ليبرهن على كفاءته العالية في استهداف عمق الكيان الصهيوني عبر طائرة “يافا” المسيرة التي ضربت “تل أبيب” في يوليو 2024 متجاوزة أنظمة الرادار والدفاعات الإقليمية، مما أثبت أن المنظومة التصنيعية التي أنتجت مسيّرات اختراق القارات هي ذاتها التي تبتكر حلول الميدان التكتيكي عبر طائرات “رجوم”، مؤكدة وحدة العقيدة التسليحية للجيش اليمني في كافة ميادين المواجهة.

إسقاط الرهان الأمريكي والاعترافات:

كشفت عمليات سلاح الجو المسير — التكتيكية منها والاستراتيجية — عن عجز المنظومات العسكرية الغربية عن احتواء التكتيكات اليمنية غير النمطية؛ فالمواجهة المباشرة في معركة البحر الأحمر ضد البحرية الأمريكية والبريطانية أثبتت عدم قدرة الرادارات والمدمرات الحديثة من طراز “آرلي بيرك” على شل حركة المسيرات اليمنية، وهو ذات الإخفاق الذي واجهته القوات البرية في مأرب والساحل أمام الضربات الدقيقة لطائرات “رجوم”.
انعكس هذا الفشل الميداني في سلسلة من الاعترافات الصريحة لكبار القادة العسكريين الأمريكيين؛ حيث أقر قادة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) بأن البحرية الأمريكية تخوض في البحر الأحمر “أعنف مواجهة بحرية مستمرة منذ الحرب العالمية الثانية”. وتأكد هذا المأزق باضطرار القوات الغربية لاستنزاف مخزوناتها من صواريخ “ستاندرد SM-2″ و”SM-6” باهظة الثمن لاعتراض مسيرات يمنية منخفضة التكلفة، فضلاً عن اعتراف الكيان الصهيوني بفشل منظوماته الاستخباراتية والدفاعية أمام سلاح الجو المسير اليمني.
  • اعتراف البنتاغون: خوض البحرية الأمريكية أطول وأشرس مواجهة قتالية متواصلة منذ الحرب العالمية الثانية.
  • معادلة الاستنزاف: استهلاك صواريخ اعتراضية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات لصد مسيرات تكتيكية رخيصة التكلفة.
  • فشل الرصد الدفاعي: عجز منظومات الإنذار المبكر والتغطية الرادارية عن تتبع المسيّرات المنخفضة والصامتة.
  • خسائر المسيرات المعادية: إسقاط الدفاعات الجوية اليمنية لأكثر من 12 طائرة أمريكية متطورة من طراز (MQ-9 Reaper).

إجهاض التصعيد وتثبيت الحصار:

ترتبط عمليات “رجوم” ارتباطاً وثيقاً بمسار المعركة الكبرى؛ إذ كشفت الضربات أن تحشيدات العدو في مأرب والساحل الغربي لم تكن تحركات دفاعية، بل محاولات عسكرية لتفجير الجبهات البرية الداخلية بهدف تخفيف الضغط عن العدو الصهيوني وحلفائه الغربيين، ومحاولة لكسر معادلة الحظر البحري التي فرضتها صنعاء على الملاحة الصهيونية في البحرين الأحمر والعربي وصولاً للمحيط الهندي.
نجحت الضربات الرأسية لطائرات “رجوم” في إجهاض هذا المخطط في مهده، مثبتة خطوط التماس لصالح صنعاء وحارمة العدو السعودي من امتلاك أي أوراق ضغط تفاوضية أو ميدانية. وبذلك تكاملت قوة الإسناد التكتيكي البري مع قوة الحصار البحري الذي أدى إلى شل حركة ميناء “أم الرشراش” (إيلات) وإعلان إفلاسه، لتؤكد القوات المسلحة اليمنية قدرتها على إدارة مسارح العمليات المتعددة بكفاءة تنسيقية موحدة.
رسخت هذه المعادلة حقيقة أن أي مسعى لتصعيد الميدان الداخلي سيواجه برد ناري حاسم يشل القوات البرية للعدو، بينما تواصل القوات البحرية وسلاح الجو المسير فرض معادلة “الحصار بالحصار”. أغلقت صنعاء بذلك هوامش المناورة أمام التحالف، مجبرة قيادته على إدراك أن استقرار جبهاتها الداخلية محمي بسيادة نارية كاملة لا يمكن اختراقها أو الالتفاف عليها.
  • الهدف المعادي المحبط: محاولة تسخين جبهتي مأرب والساحل لإشغال صنعاء عن عمليات إسناد غزة.
  • معادلة الردع البحرية: استمرار فرض الحظر الملاحي على موانئ الكيان الصهيوني بالتوازي مع تأمين الجبهات البرية.
  • النتيجة الاقتصادية: تثبيت الخسائر الاستراتيجية للعدو وشركائه الملاحيين بعد إغلاق ميناء “إيلات”.
  • التكامل الميداني: شل قدرة التحالف على تحريك أوراقه الداخلية لتعديل موازين القوة والتفاوض.

ترسيخ السيادة وقواعد الاشتباك:

تؤكد المعطيات المستخلصة من عمليات طائرة “رجوم” أن القوات المسلحة اليمنية باتت تمتلك اليد الطولى في رسم قواعد الاشتباك البري، مكملة منظومة الردع الشامل براً وبحراً وجواً. لقد أثبتت التجربة الميدانية أن الاعتماد على التصنيع الوطني وتطوير تكتيكات الإسقاط العمودي النقطي قد سلب تحالف العدوان ميزة التفوق المادي والعددي، وحول كل نقطة تجمع عسكرية معادية إلى مصيدة استنزاف نارية محققة.
إن هذا التحول العملياتي يوجه رسالة حاسمة للعدو السعودي وداعميه مفادها أن خيارات التصعيد الميداني أصبحت منعدمة الجدوى ومكلفة للغاية؛ فالسيطرة النارية المحكمة التي فرضتها “رجوم” على خطوط التماس تعني أن أي مغامرة عسكرية قادمة ستُجهض في لحظاتها الأولى، مؤكدة أن قرار صنعاء العسكري والسياسي يستند إلى بنية دفاعية وهجومية قادرة على حماية السيادة الوطنية وفرض شروطها الاستراتيجية بثبات.

 

* نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.