من المدن إلى القرى.. اليمن يجدد عهده المحمدي في يوم المولد

صنعاء سيتي | تقرير 

 

لم يكن يوم المولد النبوي الشريف في اليمن مجرد مناسبة عابرة تُحيى في ساحات محددة، بل مشهدًا وطنيًا واسعًا امتد من العاصمة صنعاء إلى صعدة والحديدة وتعز وإب وذمار والضالع وحجة والمحويت وريمة ومأرب والجوف والبيضاء وغيرها من المحافظات الحرة، حيث اجتمعت الساحات والقرى والمدن على عنوان واحد: الوفاء لرسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتجديد الارتباط برسالته وهديه.

وفي الثاني عشر من ربيع الأول 1448هـ، تدفقت الحشود اليمنية إلى الساحات المركزية ومواقع الاحتفال، في مشهد جماهيري واسع عكس حجم التفاعل الشعبي مع المناسبة، وجسد حضورها المتجذر في الوجدان اليمني، لتتحول مختلف المناطق إلى لوحة واحدة تتعدد ساحاتها ولا تتعدد رسالتها.

اليمن.. موعد يتجدد مع المصطفى

منذ أسابيع سبقت المناسبة، كانت المدن والقرى اليمنية تعيش أجواء الاستعداد للمولد النبوي عبر الفعاليات والأنشطة والزينة والبرامج الثقافية، وصولًا إلى يوم الاحتفال الذي اكتملت فيه صورة الحضور الشعبي في مختلف المحافظات.

وفي صنعاء، غصت الساحات بالحشود المليونية، فيما شهدت صعدة والمحافظات الأخرى احتفالات جماهيرية واسعة، امتدت إلى الساحات المركزية والفعاليات المحلية والنسائية، لتؤكد أن الاحتفاء بالمولد لم يعد نشاطًا محصورًا في مركز أو مدينة، بل مناسبة تتفاعل معها مختلف شرائح المجتمع ومناطقه.

وفي الضالع، كما في سائر المحافظات، احتشد أبناء المحافظة في ساحات الاحتفال، رافعين الرايات الخضراء ومرددين الأناشيد والصلوات المحمدية، في مشهد عكس اعتزاز المجتمع بإحياء المناسبة وتجديد الانتماء إلى نهج الرسول الكريم.. وهكذا، من السهول إلى المرتفعات، ومن المدن إلى القرى، بدا اليمن في يوم المولد كأنه ساحة واحدة تتسع جغرافيًا وتلتقي معنويًا حول رسول الرحمة والإنسانية.

وفاء يتجاوز الاحتفال

الحضور اليمني الواسع لم يكن مجرد تعبير عن الفرح بالمناسبة، بل حمل في مضامينه معنى أعمق يرتبط بالارتباط العملي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واستحضار سيرته وهديه ورسالته.. فالجماهير التي خرجت إلى الساحات استحضرت مكانة النبي الكريم باعتباره حامل الرسالة التي أخرجت البشرية من الظلمات إلى النور، وجعلت من ذكرى مولده محطة سنوية لتعزيز الوعي والارتباط بالرسالة الإسلامية.

وفي هذا السياق، جاءت الكلمات والأنشطة الثقافية والصلوات والأناشيد والمدائح المحمدية لتمنح المناسبة طابعها الإيماني، فيما عكست المشاركة الواسعة حضور القيم المرتبطة بالسيرة النبوية في الوعي الشعبي.

ولم يكن اختلاف المناطق والساحات حاجزًا أمام وحدة المشهد؛ فصعدة وصنعاء والحديدة وتعز وإب وذمار والضالع وحجة وغيرها، التقت في مضمون واحد، وإن اختلفت صور الاحتفاء وتفاصيله المحلية.

من صنعاء إلى صعدة.. مشهد يتسع

في العاصمة صنعاء، اتخذ الاحتفال طابعًا جماهيريًا واسعًا، بينما شهدت صعدة حضورًا شعبيًا كبيرًا يعكس المكانة التي تحظى بها المناسبة لدى أبناء المحافظة.. وفي بقية المحافظات الحرة، تكررت الصورة نفسها بدرجات مختلفة: ساحات ممتلئة، رايات خضراء، أناشيد وصلوات، وفعاليات ثقافية تستحضر السيرة النبوية، إلى جانب مشاركة مجتمعية واسعة شملت مختلف الفئات.

وفي الضالع، جسدت الحشود في ساحتي الرسول الأعظم بمديريتي دمت والحشاء والساحة النسائية حضورًا لافتًا، وأكدت أن الاحتفاء بالمولد بات محطة سنوية لتجديد الانتماء والارتباط بالنبي الكريم.

أما على امتداد المحافظات الأخرى، فقد اكتملت لوحة الاحتفاء بتعدد ساحاتها ومناطقها، لتصبح المناسبة عنوانًا جامعًا لمشهد يمني واسع لا تحده حدود المدينة أو المحافظة.

الهوية في مواجهة محاولات الطمس

في ظل ما شهدته اليمن من سنوات العدوان والحصار والضغوط، اكتسب الحضور الشعبي في مناسبة المولد دلالة إضافية، إذ تجاوز اليمنيون ظروفهم الصعبة، وأصروا على إحياء المناسبة بصورة واسعة.. وقدمت الساحات بهذا المعنى صورة عن تمسك المجتمع بهويته الدينية والثقافية، ورفضه أن تتحول الأزمات والظروف الاستثنائية إلى عامل يقطع صلته بمناسباته وقيمه.

كما حملت الفعاليات رسائل مرتبطة بالحفاظ على الهوية الإيمانية، واستحضار سيرة النبي الكريم باعتبارها مصدرًا للقيم التي تتصل بالعزة والرحمة والتكافل والصبر والثبات.

المولد.. مناسبة تجمع المجتمع

من أبرز ما عكسه المشهد المليوني اتساع المشاركة المجتمعية، حيث لم تقتصر الفعاليات على فئة أو منطقة بعينها، بل شارك فيها الرجال والشباب والأشبال والنساء، في ساحات وفعاليات مختلفة.

وفي الساحات النسائية، كما في الساحات العامة، حضرت المناسبة بوصفها مساحة للتعبير عن المحبة والوفاء، فيما أسهمت الأنشطة الثقافية والأناشيد والمدائح في تشكيل أجواء احتفالية امتزج فيها الجانب الروحي بالحضور الاجتماعي.. وبذلك، تحولت ذكرى المولد إلى مناسبة جامعة تستعيد فيها مختلف مكونات المجتمع معنى الانتماء المشترك، وتلتقي حول شخصية الرسول الأعظم ورسالته.

من الوفاء إلى الموقف

لم يقتصر المشهد اليمني على الجانب الاحتفالي، إذ حضرت في كلمات المشاركين ومواقفهم قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من عدوان.. فقد ربطت الفعاليات بين استحضار النهج المحمدي وبين مسؤولية الوقوف إلى جانب المظلومين والمستضعفين، وهو ما ظهر في المواقف التي صدرت من الساحات، وفي التأكيد على استمرار مساندة الشعب الفلسطيني.

كما تزامن الاحتفال مع مرحلة تتواصل فيها معركة كسر الحصار والمواجهة مع التحديات التي تواجه اليمن، لتظهر المناسبة في الوعي الشعبي باعتبارها محطة لتجديد الموقف وتعزيز الصمود والتمسك بالحقوق الوطنية.

اليمن.. عهد يتجدد

في يوم المولد، لم تكن الساحات وحدها هي التي احتفلت؛ كان اليمن بكل جغرافيته حاضرًا في المشهد، وكل منطقة تضيف إلى الصورة لونها وصوتها وحضورها.. وبينما ازدحمت الساحات بالحشود، كانت الرسالة الأعمق للمشهد تتجاوز لحظة الاحتفال إلى تأكيد أن الارتباط بالنبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم حاضر في الوعي الشعبي، وأن ذكرى مولده تحولت إلى موعد سنوي لتجديد هذا الارتباط واستحضار رسالته وقيمه.

من المدن إلى القرى، ومن صنعاء إلى صعدة، ومن السواحل إلى الجبال، جدد اليمنيون عهدهم المحمدي في يوم المولد؛ احتفاءً برسول الرحمة، وتمسكًا بالهوية، واستحضارًا لقيم الرسالة، وتجديدًا للعزم على مواجهة التحديات بروح تستمد من السيرة النبوية معنى الثبات والوفاء.

وهكذا أغلقت الساحات يومها، لكن دلالة المشهد بقيت مفتوحة: مولدٌ يتجدد كل عام، ووفاءٌ لا تحده الجغرافيا، وهويةٌ يصر اليمنيون على إبقائها حاضرة في وجدانهم ومجتمعهم.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.