الاحتفال بالمولد النبوي في اليمن.. قراءة في ثقافة الجمال وفلسفة اللون

صنعاء سيتي | تقرير | علي صومل

 

في فصل الربيع، لا تقف لوحة الجمال الأخضر عند الوديان الخصيبة والمدرجات الزراعية، بل تغطي الجبال القاحلة والصحاري الجرداء.
وفي بلدي اليمن، تشتهر مدينة إب وبعض المناطق الوسطى باسم اللواء الأخضر لغزارة الأمطار وكثرة الأشجار. أما في الربيع المحمدي، فإن اللون الأخضر يمحو ثنائية اليابس والأخضر، فلا وجود لغير اللون الأخضر.

قد تتساءل: كيف اخضرت الأرض ولم تمطر السماء؟ وكيف احتشدت مظاهر الجمال في عالم يعج بالقبح والقرف؟
والجواب: إن في غيث المحبة وزلال العشق ما يكسو الروح والبدن بأزهى ملامح الحسن وقوالب الجمال.

«كن جميلًا ترَ الوجود جميلًا»، هكذا قال شاعر الجمال إيليا أبو ماضي، أو كن جميلًا تجعل الوجود جميلًا؛ هكذا يفعل يمن الإيمان في الربيع المحمدي.

وفي اليمن، وأثناء الاحتفال بمولد النور والجمال، تشعر وكأنك تعيش في الغابات الاستوائية الخضراء، أو تشاهد الأسماك المضيئة التي يشع نورها في أعماق ظلمات البحر. وهكذا كان إشعاع الرسالة الذي بدد دياجير الظلام، وهكذا يتجدد الإشعاع النبوي من يمن الإيمان.

إن اللون الأخضر هو رمز البهجة والسرور، وعنوان الأمل والطموح، وتعبير عن السمو والرقي؛ فالجمال ذوق رفيع قبل أن يكون مشهدًا يأسر القلوب، وانعكاس طبيعي لجمال الروح.

وفي الربيع الطبيعي تتولى السماء مهمة تزيين الأرض بالمطر، أما في الربيع المحمدي فيتولى الإنسان مهمة تزيين المكان باللون والضوء والزينة؛ فتتداخل الرايات والأضواء والزخارف والكتابات والملابس وحركة الناس، لتشكل لوحة جمالية متحركة.

إن الجمال ليس حكرًا على الأثرياء؛ فالفقر لا يقف عائقًا أمام من يعبر عن مشاعر الحب بمظاهر الجمال. فالجمال نبضة إحساس ولمسة

إبداع قبل أن يكون رشة عطر أو قطعة قماش.

ونادرًا ما تلتقي الأذواق وتتحد الألوان؛ فالمزاج والتربية والحالة المادية تلعب دورًا في صناعة التناقض والاختلاف.

فما الذي وحّد اليمن في مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؟

وكيف تختلف مشاهد المظاهر، وقد امتزج بحب محمد عقائد الضمائر ومراشد البصائر؟
إنها المحبة حين تتحول إلى حالة عامة، والهوية حين تصبح لغة مشتركة؛ فتتعدد الأذواق وتختلف التفاصيل، لكن المشهد العام يظل موحدًا بمشاعر المحبة والفرح.
ثم إن فرادة المسار هي ما يجعلك متميزًا عن العالم المحيط بك؛ لأنك تعيش حياة الاستقلال لا التبعية والانصهار في المحيط العام.

واللباس تعبير عن الهوية، والمستعمرون عندما يجدون صناعتهم من الأقمشة ونحوها رائجة في شعب من الشعوب، يشعرون أن هؤلاء قد صاروا مستعمرين في أذواقهم ومشاعرهم قبل أن يستعمروا في أراضيهم وقرارهم السياسي.

ومن هنا يمكن قراءة هذا الالتفاف حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مظاهر الفرح وملامح السرور التي يعبر عنها اللون الأخضر، بوصفه تعبيرًا عن هوية ثقافية ووجدانية متجذرة.

وهكذا يمكن تفسير جانب من الحملات العدائية ضد مظاهر الاحتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف؛ فالمسألة أعمق من مجرد الاختلاف في الدليل التاريخي والمستند الفقهي، إنها تتصل أيضًا بالهوية والذاكرة والذائقة، وبحق الشعوب في التعبير عن محبتها بالطريقة التي تختارها.
وهكذا يبدو الربيع المحمدي في اليمن أكثر من مجرد موسم تتزين فيه الشوارع بالأخضر وتتلألأ فيه الأضواء؛ إنه ربيع للروح والذائقة والذاكرة.
وفي الربيع الطبيعي تخضر الأرض لأن السماء أمطرت، أما في الربيع المحمدي فقد تخضر القلوب لأن المحبة أمطرت فيها.

ولعل أجمل ما في المشهد أن اليمني لا يكتفي بأن يرى الربيع، بل يريد أن يصنع ربيعه بيديه؛ فيلون المكان بمحبته، ويضيئه بفرحه،

ويجعل من مشاعره لوحة جمال تقول إن في الروح متسعًا للجمال، حتى حين يعج العالم من حولها بالقبح.

 

*نقلاً عن موقع يمانيون

التعليقات مغلقة.