الإنذار الأخير للرياض.. الخارجية اليمنية تكشف ثمن المماطلة وتُحاصر خيارات السعودية: هل تتحمل المملكة فاتورة الانفجار الكبير؟

صنعاء سيتي | تقرير 

 

يأتي البيان الصادر عن وزارة الخارجية والمغتربين بصنعاء ليحسم نمط التعامل السياسي مع حالة الركود التفاوضي ومحاولات “تجميد الصراع” التي تحاول الرياض إدارتها منذ انقضاء الهدنة الأممية الممددة في 2 أكتوبر 2022م.
يتجاوز البيان لغة الدعوات الدبلوماسية المعتادة ليضع القيادة السعودية أمام قراءة واقعية لميزان القوى الحالي، مُستنداً إلى تحول إستراتيجي فرضته صنعاء خلال العقد الماضي؛ حيث انتقلت من موقف الدفاع عن الجغرافيا إلى امتلاك زمام المبادرة والتأثير المباشر في الممرات البحرية والأسواق العالمية.
وفي هذا التوقيت، يهدف الخطاب السياسي للجمهورية اليمنية إلى كسر حالة المماطلة وتحديد خيارات الرياض بين السلام الإستراتيجي الناجز أو تحمّل كلفة التصعيد المفتوح.
إن التأكيد على حتمية “كف العدوان ورفع الحصار” يُمثل جوهر العقيدة التفاوضية لصنعاء، والتي تربط بين الاستقرار الإقليمي واستعادة الحقوق السيادية الكاملة.
كما أن التذكير بـ “سُنن التغيير” ليس مجرد مقولة إنشائية، بل هو استشهاد بتحولات ملموسة على الأرض؛ كفشل التحالفات البحرية الغربية (وعلى رأسها التحالف الأمريكي “حارس الازدهار” الذي أُعلن عنه في ديسمبر 2023م) في شل القدرات العسكرية اليمنيّة، وتراجع قدرة واشنطن على توفير مظلة حماية مجانية لحلفائها إبان ضربات معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس”. ومن هذا المنطلق، يحلل هذا التقرير المرتكزات الواقعية لبيان الخارجية، معززاً المعطيات بشواهد ميدانية، واقتصادية، وسياسية حاسمة.
تقليل الخسائر السعودية وتفكيك التبعية
تُشير القراءة الإستراتيجية لمسار الصراع إلى أن الاستجابة السعودية لدعوة صنعاء المتمثلة في إنهاء الحرب ورفع الحصار تُشكل المخرج الأقل كلفة للنظام السعودي. فمنذ بدء الحرب في 26 مارس 2015م، كَبَّدَت العمليات العسكرية الميزانية السعودية أرقاماً طائلة قُدّرت بأكثر من 500 مليار دولار؛ شملت صفقات التسليح المباشر، وتكاليف تشغيل منظومات الدفاع الجوي (مثل “باتريوت” و”ثاد”)، فضلاً عن الأضرار الهيكلية التي لحقت بالبنية التحتية النفطية إثر ضربات معملي “أبقيق وخريص” في سبتمبر 2019م ومحطات “أرامكو” في جدة وجازان خلال عمليات “كسر الحصار” في مارس 2022م. وبناءً عليه، فإن إنهاء التدخل العسكري وإغلاق الملف بالكامل يُعد خطوة جوهرية لتأمين المنشآت الاقتصادية السعودية ومشاريع “رؤية 2030” على البحر الأحمر (مثل مشروع نيوم) من مخاطر الاستهداف المباشر.
تؤكد الشواهد أن التعثر في تحويل “خريطة الطريق” -التي صيغت بنودها برعاية سلطنة عمان وسلمها الوفد العماني في زياراته المتكررة لصنعاء والرياض بين عامي 2023 و2024م- إلى اتفاق تنفيذي موقع، يعود إلى استمرار المراهنة السعودية على الضغوط الأمريكية والغربية.
إلا أن الواقع الميداني أثبت أن كف العدوان وإنهاء الأنشطة غير المشروعة يقتضيان خطوات جذرية تشمل:
  1. الجلاء العسكري الكامل القائم على سحب كافة القوات الأجنبية من المناطق والجزر الحيوية (مثل أرخبيل سقطرى ومحافظة المهرة).
  2. الرفع الشامل والكامل للقيود عن موانئ الحديدة ومطار صنعاء الدولي.
  3. التحلل من الاشتراطات الأمريكية التي تحاول ربط ملف السلام في اليمن برهن الموقف اليمني المساند لغزة.
تتضح قوة موقف صنعاء في التذكير بأن خيار السلام المطروح لا ينطلق من موقع انكسار، بل يقف على معادلة ردع متطورة طوّرت فيها القوات المسلحة اليمنية نطاقات عملها الميداني لتشمل مسار الملاحة الدولية في البحرين الأحمر والعربي، وخليج عدن، والمحيط الهندي، وحتى البحر الأبيض المتوسط.
وبالتالي، فإن اتخاذ القرار الشجاع من قبل الرياض يُحيد اقتصادها عن مواجهة جديدة ستكون فيها كلفة الأضرار غير قابلة للترميم أو التدارك.
إخفاق الحسم وسقوط مظلات الحماية
قام الرهان العسكري والسياسي للتحالف عند انطلاق عمليات “عاصفة الحزم” على فرضية الحسم السريع خلال فترة زمنية لا تتجاوز أسبوعين إلى أربعة أسابيع، متكئاً على تفوق جوي ودعم استخباري ولوجستي غربي مباشر. غير أن الصمود الميداني وتطور القدرات التصنيعية والميدانية للقوات المسلحة حوّلا المعركة إلى استنزاف طويل الأمد.
هذا الإخفاق الإستراتيجي جرد التحالف من القدرة على فرض إرادته، وجعل من العاصمة صنعاء مركز ثقل إقليمي يُدير قواعد اشتباك جديدة تجاوزت الحدود الجغرافية التقليدية للصراع.
تتجسد القراءة الخاطئة للمتغيرات في استمرار الرياض في الرهان على العامل الخارجي أو المراهنة على أدوات الضغط الاقتصادي.
وقد أظهرت التطورات الميدانية الأخيرة، وتحديداً عقب صدور العدوان الأمريكي-البريطاني المباشر على اليمن منذ يناير 2024م، عجز واشنطن ولندن عن حماية قطعهما البحرية أو منع القوات المسلحة اليمنية من فرض حظر الملاحة على السفن المرتبطة بالإسرائيلية أو المتجهة إلى موانئ فلسطين المحتلة.
هذا العجز الدولي أثبت للجانب السعودي أن القوى الاستعمارية غير قادرة على حماية مصالحها الفردية، فضلاً عن تقديم حماية لكبار حلفائها في المنطقة عند وقوع المواجهة المباشرة.
إن مواجهة سنن التغيير الكونية تتجلى في التراجع الملموس للنفوذ السعودي الإقليمي نتيجة طول أمد العدوان، وتعاظم العزلة الإستراتيجية للرياض كلما أصرت على تنفيذ السياسات الأمريكية.
ومع تراجع هيمنة القطب الواحد عالمياً، تصبح إطالة أمد الصراع في اليمن مغامرة غير محسوبة تضع الداخل السعودي أمام مخاطر أمنية واقتصادية متزايدة، خصوصاً مع امتلاك صنعاء خيارات ميدانية قادرة على قلب موازين الطاقة والتجارة في المنطقة.
 تفكيك حرب التجويع وحماية الموارد
شَكَّل الحصار الشامل والإجراءات الاقتصادية المباشرة المكون الرئيسي للعدوان الموجه ضد الشعب اليمني، متسبباً في إيصال أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر بحسب تقارير الأمم المتحدة. شملت هذه الإجراءات الإغلاق الكلي والجزئي لمطار صنعاء الدولي منذ أغسطس 2016م، وفرض القيود الصارمة على حركة سفن المشتقات النفطية والمواد الغذائية بميناء الحديدة، بالإضافة إلى القرار الصادر في سبتمبر 2016م بنقل وظائف البنك المركزي إلى عدن؛ وهو القرار الذي أدى إلى تعتيم البيانات المالية ووقف صرف مرتبات أكثر من 800 ألف موظف في الجهاز الإداري للدولة يمثلون عائلات لقرابة 5 ملايين مواطن.
وتكشف المعطيات الرقمية الموثقة عن حجم القرصنة التي طالت الثروات السيادية؛ حيث تشير تقارير وزارة النفط والمعادن بصنعاء إلى أن الكميات المنتجة والمصدرة من النفط الخام من حقول مأرب وشبوة وحضرموت خلال الفترة من 2018 حتى أكتوبر 2022 بلغت أكثر من 130 مليون برميل، بقيمة إجمالية تجاوزت 10 مليارات دولار، والتي بيعت عبر موانئ الضبة والنشيمة، وتُمَّ توريد عائداتها المالية كلياً إلى حسابات البنك الأهلي السعودي في الرياض دون إفادة الشعب اليمني منها. هذه السيطرة حرمت الموازنة العامة من المورد الأساسي الذي كان يغطي نسبة 70% من الموازنة العامة للدولة.
أمام هذا الواقع، فرضت صنعاء خطوطاً حمراء لحماية المقدرات الوطنية تمثلت في الضربات التحذيرية التي نفذتها القوات المسلحة في أكتوبر ونوفمبر 2022م على موانئ التصدير في الضبة (حضرموت) والنشيمة (شبوة). أدت هذه الضربات إلى إيقاف التصدير غير المشروع للنُّفط الخام نهائياً، معلنة فرض معادلة نارية مفادها: “لا تصدير للنفط دون تخصيص العائدات لصالح مرتبات الموظفين والخدمات الأساسية”. وبذلك أكد بيان الخارجية أن استمرار الوضع المعلق للموارد السيادية أمرٌ مرفوض ولن يستمر دون حل جذري.
 الركن الأساسي لمعادلة التفاوض
تضع القيادة بصنعاء الملف الإنساني في مقدمة أي ترتيبات تفاوضية، رافضةً مقايضة الحقوق المعيشية بالأوراق السياسية أو العسكرية. وتتحدد الالتزامات الإنسانية المطلوبة في نقاط واضحة ومباشرة:
  • المرتبات: الصرف المنتظم لمرتبات كافة موظفي الدولة المدنيين والعسكريين استناداً إلى كشوفات عام 2014م ومن عائدات النفط والغاز.
  • المنافذ: الفتح الكامل دون عوائق لمطار صنعاء الدولي لوجهات دولية متعددة (كال Cairo والأردن والهند وغرب آسيا)، ورفع الحظر الكامل عن ميناء الحديدة لدخول كافة السلع والمشتقات النفطية.
  • الأسرى: الإنجاز الكامل لملف الأسرى والمعتقلين وفق قاعدة (الكل مقابل الكل)، للبناء على تفاهمات اتفاق السويد 2018م وجولات جنيف السابقة.
يُظهر السجل التفاوضي للمراحل الماضية – بدءاً من “اتفاق السويد” في ديسمبر 2018م، مراراً بالهدنة الأممية في أبريل 2022م، وصولاً إلى المباحثات المباشرة مع الوفد السعودي برئاسة السفير محمد آل جابر في صنعاء برعاية عمانية في أبريل 2023م – أن صنعاء قدمت التسهيلات اللازمة لإنجاح جهود التهدئة. إلا أن المماطلة والتهرب من توقيع خريطة الطريق بدوافع أمريكية تسببا في تعطيل المسار.
وتعتبر صنعاء أن استغلال الملف المعيشي للضغط على المواطنين مجرد امتداد لأدوات الحرب الناعمة التي تجاوزها الزمن.
تحمل تحذيرات بيان الخارجية دلالات عملياتية مباشرة؛ إذ إن حالة التهدئة الحالية ليست مفتوحة الزمان. وإذا لم تُسارع الرياض لتنفيذ التوافقات الإنسانية والتأسيس لخطوات إعادة الإعمار وجبر الأضرار، فإن خيار صنعاء المباشر يتلخص في إنهاء حالة الانتظار، واستخدام القدرات الميدانية لفرض فتح المنافذ وصرف الموارد القومية وفق القوة والواقع.
الحسم السياسي أو انفجار الاستحقاقات
تضع صنعاء النظام السعودي أمام خيار حتمي يتطلب الانتقال من إدارة التهدئة المؤقتة وشراء الوقت إلى اتخاذ خطوات سياسية وميدانية حاسمة. لقد استنفدت خيارات الضغط الاقتصادي والحصار قدرتها على التأثير، وأصبحت الجمهورية اليمنية تحت إدارة صنعاء تتملك الإرادة والإمكانات الحاكمة لحماية ثرواتها وتأمين متطلبات مواطنيها.

إن المسار القادم للمنطقة محكوم بمقدار استجابة الرياض لاستحقاقات بيان الخارجية؛ فإما الذهاب نحو اتفاق شامل يُنهي العدوان والحصار ويؤسس لعلاقات جوار قائمة على السيادة والمصالح المشتركة، أو تحمّل تبعات الجولة القادمة من المواجهة، والتي لن تقتصر على حدود المعادلات العسكرية السابقة، بل ستفرض واقعاً جديداً يُنهي كلياً كافة أشكال التدخل والوصاية على القرار اليمني.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر 

التعليقات مغلقة.