من تحت الركام إلى خلف القضبان.. غزة تبحث عن مفقوديها والعدو يواصل طمس الحقيقة

صنعاء سيتي | تقرير 

 

لم تنتهِ مأساة آلاف الفلسطينيين بوقف إطلاق النار، إذ بقيت عائلات كاملة معلقة بين انتظار الخبر والبحث عن الحقيقة، بينما تكشف المعطيات الحقوقية عن نحو 2000 فلسطيني انقطعت آثارهم خلال العدوان على قطاع غزة، في وقت يحتجز فيه العدو الصهيوني نحو 1700 جثمان لفلسطينيين، وفق ما كشفته صحيفة «هآرتس» نقلًا عن مصادر داخل الكيان.

وبين جثامين لا تزال محتجزة، ورفات تُنتشل من تحت الأنقاض بعد سنوات، ومفقودين لا تعرف عائلاتهم مصيرهم، يتضح أن آثار العدوان لم تتوقف عند حدود القتل والتدمير، بل امتدت إلى ما بعد الموت، لتطال حق العائلات في معرفة مصير أبنائها ودفنهم بكرامة.

ألفا مفقود.. وأسئلة بلا إجابات

يضع تقدير المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا نحو 2000 شخص في دائرة المجهول، بعدما انقطعت آثارهم بشكل كامل خلال العدوان.. وتتوزع حالات الاختفاء بين من فقدوا خلال ’’العمليات العسكرية’’، ومن انقطعت أخبارهم أثناء توجههم إلى مناطق انتظار المساعدات، وآخرين كانوا في مناطق خاضعة للسيطرة الصهيونية المباشرة، وسط غياب معلومات واضحة عن مصيرهم.

وهكذا لا تواجه عائلات المفقودين مأساة فقدان ذويها فحسب، بل تعيش مأساة الانتظار المفتوح؛ فلا خبر يؤكد الوفاة، ولا معلومة تكشف مكان الاحتجاز، ولا جثمان يمكن مواراته الثرى.

1700 جثمان.. الموت يتحول إلى ورقة ضغط

الأكثر خطورة في هذا الملف ما كشفته صحيفة «هآرتس» بشأن احتجاز العدو الصهيوني جثامين نحو 1700 فلسطيني، غالبيتهم من قطاع غزة، واستخدامها كورقة ضغط ومساومة محتملة.

ووفق المعطيات الحقوقية، فإن هذه الممارسة لا تنفصل عن سياسة أوسع من حجب المعلومات والإخفاء القسري، خصوصًا مع غياب البيانات المتعلقة بهويات أصحاب الجثامين وظروف وفاتهم وأماكن احتجازهم.

ومنذ بدء وقف إطلاق النار، أعاد العدو نحو 480 جثمانًا على دفعات، غير أن السلطات الصحية في غزة اضطرت إلى دفن 377 جثمانًا دون التعرف إلى هويات أصحابها، نتيجة غياب البيانات والمتعلقات التي يمكن أن تساعد في تحديدهم، إلى جانب ما تعرضت له الجثامين من تشويه وظروف حفظ صعبة.

حتى الركام يخفي حكاية شهيد

وفي مشهد يلخص حجم الكارثة، تواصل فرق الدفاع المدني في غزة انتشال رفات الشهداء من تحت أنقاض المنازل المدمرة.. وكانت طواقم الدفاع المدني قد انتشلت مؤخرًا رفات الشهيد محمود حمدي عبد الرحمن من أسفل منزل في حي الصفطاوي شمال مدينة غزة، بعد نحو عامين من استشهاده.

ولا تزال آلاف الجثامين عالقة تحت الأنقاض، بينما تواجه فرق الإنقاذ نقصًا حادًا في المعدات الثقيلة والإمكانات اللازمة للوصول إليها، في وقت تتواصل فيه عمليات نقل الأنقاض وإزالة المباني المهدمة.

وبذلك، يصبح الركام في غزة أكثر من أثر للدمار؛ فهو مقابر مفتوحة تختزن أسماء لم تُعلن بعد، وعائلات لا تزال تنتظر أن تستعيد أبناءها من بين الحجارة.

المفقودون والمرضى والأسرى.. مأساة واحدة

لا يقف المشهد عند حدود المفقودين والجثامين، فآثار الحصار والعدوان تمتد إلى المرضى والأسرى والصحفيين، في صورة متكاملة من الضغط على الإنسان الفلسطيني.

فمنظمة الصحة العالمية تؤكد أن آلاف المرضى في غزة لا يزالون ينتظرون الإجلاء الطبي، رغم إجلاء أكثر من 12 ألف مريض منذ أكتوبر 2023، بينهم آلاف الأطفال.

وفي سجون العدو، تتحدث إفادات الأسرى عن استمرار التجويع والإهمال الطبي والحرمان من الاحتياجات الأساسية، فيما يقبع نحو 9400 أسير فلسطيني وفق المعطيات الواردة، بينهم أطفال ونساء ومعتقلون إداريون.

أما الصحفيون، فقد تحولوا بدورهم إلى هدف مباشر، إذ أعلن نادي الأسير وجود نحو 40 صحفيًا وصحفية في سجون العدو، بينما تجاوز عدد الصحفيين الذين تعرضوا للاعتقال أو الاحتجاز منذ بدء العدوان 250، بالتزامن مع استشهاد أكثر من 260 صحفيًا وصحفية.

وفي الضفة الغربية، لا يتوقف الاستهداف عند الإنسان، بل يمتد إلى المقدسات، مع استمرار اقتحامات المسجد الأقصى ومحاولات فرض وقائع جديدة داخله، بالتزامن مع التضييق على المصلين وإبعاد الشخصيات الدينية والمقدسية.

عدوان يستمر بأشكال مختلفة

تكشف هذه الوقائع أن العدوان على غزة لا يُقاس فقط بعدد الغارات أو حجم المباني المدمرة، بل بما خلفه من منظومة واسعة من الفقد والحرمان: مفقودون لا يعرف مصيرهم، جثامين محتجزة، شهداء تحت الركام، مرضى ينتظرون الإجلاء، أسرى يواجهون التجويع والإهمال، وصحفيون يدفعون ثمن نقل الحقيقة، ومقدسات تتعرض لمحاولات التغيير والتهويد.

إنها حلقات مترابطة في مشهد واحد، عنوانه الأبرز أن آثار العدوان ما زالت حاضرة في تفاصيل الحياة الفلسطينية، وأن وقف إطلاق النار لم يمحِ آثار سنوات من القتل والتدمير والحصار.

غزة.. ذاكرة تبحث عن أصحابها

في غزة، لا تزال العائلات تبحث عن إجابات أكثر من بحثها عن الأرقام؛ تريد أن تعرف أين أبناؤها، وكيف ماتوا، وأين دُفنت جثامينهم، ولماذا لا يزال بعضها محتجزًا.. ومن بين آلاف المفقودين والجثامين المحتجزة، تتشكل قضية إنسانية وحقوقية لا يمكن إغلاقها بالصمت أو طيّها مع مرور الوقت؛ فحق العائلات في معرفة مصير أبنائها لا يسقط بانتهاء المعارك، وكرامة الشهداء لا تنتهي بالموت.

وهكذا تبقى غزة شاهدة على أن آثار العدوان لا تُدفن تحت الركام، وأن الحقيقة التي يحاول العدو حجبها تواصل الظهور، جثمانًا بعد جثمان، واسمًا بعد اسم، حتى تعرف كل عائلة مصير من فقدتهم، وتستعيد غزة حقها في الحياة والكرامة والعدالة.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.