رسائل محمد عبد السلام تقلب الطاولة.. صنعاء تتجاوز خنق الحصار وتتجهز لشل العمق السعودي بـ “معادلة الطاقة والحقوق”
صنعاء سيتي | تقرير
تضع تصريحات رئيس الوفد الوطني المفاوض محمد عبد السلام حدًا لمرحلة كاملة من المناورة السياسية التي استغلها التحالف السعودي لفرض استراتيجية “الخنق الهادئ”. أربع سنوات من الهدنة المشروطة وضبط النفس العالي من جانب صنعاء قوبلت بترتيبات عسكرية وحرب اقتصادية شرسة شنتها الرياض، لتثبت المعطيات الميدانية أن النظام السعودي استخدم التهدئة كمظلة لإعادة ترتيب أدواته، والهروب من استحقاقات خارطة الطريق، واستهداف البنية التحتية وكان آخرها الاعتداء المباشر على مطار صنعاء الدولي في 13 يوليو 2026.
تنتقل صنعاء اليوم من موضع إدارة التهدئة إلى فرض معادلة ردع جديدة تستند إلى التكامل التام بين الجبهتين السياسية والعسكرية. لم يعد القرار اليمني يستهدف الدفاع الموضعي، بل يذهب نحو ضرب مركز الثقل العسكري والاقتصادي للعدوان، لإرغامه على الانصياع الكامل للملفات الإنسانية والسياسية. إن رسالة الوفد الوطني صريحة: لا سلام مجانيًا بعد اليوم، وأي استمرار للحصار أو المماطلة ستقابله القوات المسلحة بانتزاع الحقوق بالقوة وفرض الحظر الشامل على التحركات السعودية.
لم تكن السنوات الأربع الماضية بالنسبة للرياض سوى مساحة زمنية لإعادة تموضع قواتها وبناء استراتيجية حصار بديلة ترتكز على الشقين الملاحي والمصرفي. تجلّى هذا النهج في تحويل آلية التفتيش الأممية (UNVIM) في جيبوتي إلى أداة احتجاز تعسفي؛ حيث بلغت معدلات احتجاز سفن المشتقات النفطية والسلع الغذائية المتجهة إلى ميناء الحديدة مدداً تتجاوز 180 يومًا للسفينة الواحدة، مما أدى إلى رفع تكاليف الشحن والتأمين البحري بنسبة بلغت 300%، لتُلقى هذه الأعباء مباشرة على كاهل المستهلك اليمني.
وعلى الصعيد المصرفي، أدارت السعودية عبر “أدواتها المصرفية المأجورة” في عدن عدوانًا ثانيًا استهدف استقرار العملة الوطنية في المحافظات الحرة، وشمل إطلاق قرارات تصعيدية لإلغاء تراخيص ستة من أكبر البنوك التجاريّة والمصرفيّة الواقعة مقرّاتها في صنعاء، ومحاولة قطع شبكة “سويفت” المباشرة عنها. رافق ذلك حرب شائعات واستهداف ممنهج للصرافين والتجار لتعطيل الاستيراد، في محاولة صريحة لإحداث انهيار اقتصادي شامل يُعوض الفشل العسكري السعودي في الميدان.
أظهرت هذه الشواهد أن النظام السعودي استخدم الهدنة لإعادة بناء القواعد وتجميع التحشيدات العسكرية داخل المحافظات المحتلة، مع الاستمرار في خنق الشرايين الحيوية للمواطنين. وبذلك، نسخت الرياض بقراراتها واعتداءاتها التفاهمات الأولية، محولةً ملف المعيشة والخدمات إلى ورقة ابتزاز سياسي، وهو ما دفع القيادة في صنعاء إلى إغلاق ملف الهدنة والشروع في صياغة المرحلة المقبلة بلغة السلاح والردع المباشر.
جاء استهداف القوات المسلحة اليمنية للتحشيدات والمعسكرات السعودية داخل اليمن ولحركة السفن التابعة لها كرد فعل استراتيجي مباشر على الاعتداء الغاشم الذي طال مطار صنعاء الدولي في 13 يوليو 2026. لم يكن القصف السعودي للمطار مجرد خرق ميداني، بل محاولة لإغلاق الممر الإنساني الوحيد وإعادة فرض كلي للحظر الجوي. رد صنعاء جاء سريعًا ومباشرًا لتأكيد أن الأعيان المدنية والمرافق الحيوية اليمنية خط أحمر يُقابل بتدمير البنية التحتية للعدوان.
تعتمد استراتيجية القوات المسلحة في هذه المرحلة على استهداف شريان الإمداد العسكري واللوجستي للتحالف؛ حيث شملت الضربات الأخيرة تجمعات قوات العدوان في القواعد الحدودية والمقرات التشغيلية للمليشيات الموالية لها. كما امتدت العمليات لتشمل فرض حظر ملاحي صارم على حركة السفن والناقلات المرتبطة بالجانب السعودي في البحر الأحمر وباب المندب، مستفيدة من التطور المتصاعد في سلاح الجو المسير والصواريخ الباليستية البحرية.
إن هذه المعركة الردعية تُثبت سقوط قدرة الرياض على حماية منشآتها وأدواتها داخل اليمن أو تأمين خطوط إمدادها البحرية. تفرض صنعاء اليوم معادلة “المطار بالمطار والميناء بالميناء”، موجّهة رسالة ميدانية مفادها أن الاستمرار في حرمان اليمنيين من حقوقهم وتصدير النفط لحساب السعودية سيعيد تفعيل “معادلة الطاقة الشاملة” التي تضع المنشآت الحيوية في العمق السعودي تحت التهديد المباشر.
تكشف تحركات الوفد الوطني المفاوض أمام الأطراف الدولية والإقليمية حجم الخداع الذي يمارسه النظام السعودي، والذي يعلن إعلامياً دعمه للحلول السلمية بينما يرفض عملياً الجلوس على طاولة التفاوض المباشر. تستخدم الرياض المحادثات كأداة لتضييع الوقت وإطالة حالة “لا سلم ولا حرب”، مراهنةً على إنهاك الجبهة الداخلية اليمنية وتمرير مخططاتها في تقسيم الجغرافيا وتثبيت تواجدها العسكري في المحافظات الشرقية والجنوبية.
تُدرك صنعاء أن أي مسار سياسي لا يترجم عملياً عبر “خارطة الطريق” هو مسار تفاوضي عقيم هدفُه الالتفاف على مطالب الشعب اليمني. وعليه، فإن اشتراط صنعاء للتنفيذ الفوري للملفات الإنسانية – وفي مقدمتها الصرف الكامل لمرتبات كافة موظفي الدولة من عائدات النفط والغاز، وفتح مطار صنعاء وموانئ الحديدة دون قيود، واستئناف التصدير لصالح الخدمات العامة – يُمثل الامتحان الحقيقي لجدية الرياض، وبدونه فإن باب الحوار مغلق والبديل هو الميدان.
تضع صنعاء الأطراف الإقليمية والدولية أمام خيار واحد لا يقبل التجزئة: التنفيذ الكامل والشفاف لبنود خارطة الطريق المبرمة، أو مواجهة التصعيد الشامل. إن ملف المرتبات وفتح الموانئ والمطارات ليس مجرد نقاط تفاوضية قابلة للمساومة أو التأجيل، بل حقوق سيادية وإنسانية غير قابلة للتصرف، تمثل المدخل الإجباري والوحيد لأي عمليات سياسية أو ترتيبات أمنية مستقبيلة مع دول العدوان.
إن رفع الحصار عن عائدات النفط والغاز اليمني وتحويلها لصالح الخدمات العامة لعموم الشعب في كافة المحافظات ينهي حقبة النهب السعودي للثروات اليمنية، والتي قُدرت بمليارات الدولارات خلال سنوات الحرب. ترفض صنعاء استخدام ملف الثروات الوطنية كأداة للابتزاز، وتؤكد أن استئناف التصدير لن يتم إلا تحت إدارة وإشراف ينعكسان مباشرة على معيشة المواطن والموظف اليمني دون استثناء.
إن تجديد الوفد الوطني لمواقفه الحاسمة يستند إلى شرعية إنسانية وأخلاقية مطلقة؛ فصنعاء لا تطالب بامتيازات سياسية خاصة، بل بحقوق أساسية يكفلها القانون الدولي. وبناءً عليه، فإن الركيزة الأساسية للتحرك القادم هي فرض السلام عبر قوة السلاح؛ فإما التزام سعودي صريح بإعادة الحقوق وتوفير الخدمات وإيقاف العدوان، وإما الذهاب نحو مواجهة مفتوحة تُقتلع فيها الاستحقاقات اليمنيّة بقوة الميدان.
تصل الخيارات أمام النظام السعودي إلى نقطة الصفر؛ إذ لم يعد أمام الرياض أي مساحة رمادية لإدارة الصراع عبر استراتيجيات كسب الوقت أو الضغط الاقتصادي الممنهج. إن رسائل صنعاء السياسية والعسكرية باتت واضحة ومقترنة ببنك أهداف مجرب؛ فاستمرار المماطلة واستهداف المنشآت والملفات المعيشية سيعني فورًا انتقال القوات المسلحة إلى تنفيذ استراتيجية الردع الأقصى، وشل القطاعات الاقتصادية والعسكرية للعدوان.
إن صنعاء التي أدارت أربع سنوات من ضبط النفس السياسي والعسكري تمتلك اليوم زمام المبادرة الميدانية والتنظيمية لفرض شروطها. لن يكون هناك سلام مجاني أو تهدئة اقتطاعية تُريح العدو وتخنق الشعب اليمني؛ فمعادلة المرحلة القادمة قائمة على الحسم المطلق: إما تنفيذ كامل ومباشر لبنود خارطة الطريق والملفات الإنسانية، أو تحمّل السعودية لكلفة الشلل التام لخطوط إمدادها ومناطق نفوذها.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.