من خِذلان غزة إلى تحالفات لحماية المعتدي
صنعاء سيتي | مقالات | د. عبدالرحمن المختار
تشكَّل سنة 2015 تحالفٌ عدوانيٌّ إجراميٌّ بقيادة السعودية، بمسمى التحالف العربي لدعم الشرعية.
واليوم تشكَّل تحالفٌ آخر، لكن ليس لدعم مسمى الشرعية، وإنما لحماية ودعم السعودية، التي تزعمت في ذلك الحين ما سُمِّي بتحالف دعم الشرعية.
وقد فشل ذلك التحالف، رغم ما ارتكبه من جرائمَ، فشلًا ذريعًا أمام صمود وبسالة أبناء الشعب اليمني على مدى أكثر من عقدٍ من الزمان.
وها هي اليوم السعودية، زعيمة تحالف العدوان الإجرامي على الشعب اليمني، تستغيث وتستنجد وتحشد القوى البائسة المرتهنة لحمايتها، وكل ذلك رغم زعمها التفوق العسكري في المنطقة.
وقد ضمَّ التحالف الجديد أربعة عشر مسمَّىً لدول لا تملك سوى مسمى دول، لكن أنظمتها في الواقع عبارة عن أدوات للتوحش الصهيوأمريكي، وما يهمنا من المسميات الأربعة عشر المشاركة سوى ثلاثة مسميات تُعد الواجهة لهذا التحالف، وتوصف جيوشها بأنها الأقوى في المنطقة، لامتلاكها عددًا هائلًا من صنوف القوة العسكرية البرية والبحرية والجوية، ويفوق تعداد جيوش هذه المسميات نصف عدد قطعان المستوطنين في كيان الاحتلال الصهيوني.
والمفارقة العجيبة الغريبة أن المسميات الثلاثة:
مصر وتركيا وباكستان، المبادرة لنجدة السعودية، لم يكن لأيٍّ منها دورٌ إيجابي يُذكر في نجدة وإسناد ونصرة الشعب الفلسطيني
المحاصَر في قطاع غزة منذ عقود من الزمن، والذي تعرض أربع سنوات لجريمة إبادة جماعية من جانب كيان الاحتلال الصهيوني.
حرَّكت أفعالُ هذه الجريمة ضمائرَ شعوب العالم، لكنها لم تحرك أبدًا ضمائر الأنظمة الحاكمة في المسميات الثلاثة، لقد كان لهذه المسميات دورٌ سلبي تمثل في إسناد كيان الاحتلال الإجرامي.
تمثل ذلك الدور في استمرار التعامل معه سياسيًّا واقتصاديًّا، وفي مختلف المجالات، وعلى كافة المستويات!
ورغم أن مصر لا يفصل بينها وبين أبناء الشعب الفلسطيني المظلومين في قطاع غزة سوى جدار إسمنتي لا يتجاوز عَرضُه عشرين سنتيمترًا، إلا أنها -ومع ذلك- لم تحرك ساكنًا لوقف ما يتعرض له من إبادة جماعية أو التخفيف من وطأة الحصار الخانق، رغم كل المناشدات والنداءات والاستغاثات من داخل القطاع ومن خارجه، وكان ديدن النظام الحاكم: (مش حنورط مصر)، ولم يسمح هذا النظام حتى للشعب المصري بالاحتجاج؛ تعبيرًا عن رفضه لأفعال جريمة الإبادة الجماعية بحق إخوانه من أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة!
لكنه اليوم بادر مسرعًا لنجدة النظام السعودي، صاحب أكبر سجل إجرامي في هذا العصر بحق أبناء الشعب اليمني.
وذات القول ينطبق على النظام الحاكم في تركيا، فلم يكن لهذا النظام موقفٌ فعلي في مواجهة ما اقترفه، ولا يزال يقترفه، كيان العدو الصهيوني من أفعال جريمة الإبادة الجماعية المتتابعة والمستمرة بحق أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، فقد ساهم نظام أردغان في جريمة الإبادة الجماعية بإمداده كيان العدو الصهيوني بمختلف المواد والسلع الغذائية، ليتحقق بذلك الاستقرارُ الداخلي للكيان المجرم، وليخفِّفَ بذلك من وطأة الحصار البحري الذي فرضه أبناء الشعب اليمني؛ نصرةً وإسنادًا لأبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
واستمر النظامُ الحاكمُ في تركيا، مثله مثل النظام المصري، محتفظًا بعلاقات دبلوماسية واقتصادية وتعاون واسع مع كيان العدو الصهيوني في المجال العسكري وفي مجالات أخرى!
ولا يختلف النظام الحاكم في باكستان عن النظامَين المصري والتركي، فلقد ظل النظام الباكستاني صامتًا متفرجًا على أفعال الإبادة الجماعية المتكررة على مدار اليوم والساعة في أرض غزة.
ورغم تميز هذا النظام عن النظامين المصري والتركي بامتلاكه سلاحَ ردع نوويًّا، لكنه لم يكن له أي أثر يُذكر في كبح جماح التوحش الصهيوأمريكي في إبادة أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة منذ عام 2023 وحتى اليوم!
ورغم أن هذه المسميات الثلاثة، والموصوفة بأنها إسلامية سنية، إلا أنها بعيدة كل البُعد عن تعاليم وقيم الإسلام، وبعيدة كل البُعد عن سُنة نبي الإسلام -عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى السلام-.
فالإسلام وسُنة نبي الإسلام يوجبان على أهل الإسلام إغاثةَ الملهوف ونصرةَ المظلوم، سواءٌ أكان أخًا في الدين أو في الإنسانية.
ولو لم تكن هذه الأنظمة الثلاثة المتلبسةُ بلباس الإسلام والمنسلخة عن تعاليمه وقِيمه بعيدةً كل البُعد، لأدركت يقينًا الواجب الملقَى على عاتقها الوارد في كتاب الله المجيد، القرآن الكريم، في قوله تعالى:
﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾.
وهذا الواجب واضح تمامًا، لا يحتمل أيَّ تأويل، فقد رخَّص الله سبحانه وتعالى لمن سبق له من المسلمين أن دخل في التزام مع المعتدي بأن يتنصلَ من ذلك الالتزام، وأن يرمي بعهدِه وميثاقه في وجهه، طالما استمر في عدوانه على من استنصره من إخوانه، باعتبار ذلك يعد خيانة للعهد والميثاق، فقال تعالى:
﴿إِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.
وما لم يتحرك المسلمون لتنفيذ ما أوجبه الله سبحانَه وتعالى عليهم في كتابه الكريم، فإنهم بتنصلهم عن هذا الواجب يدخلون الأمة في الفتنة والفساد الكبير، قال تعالى:
﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾.
وهذا ما هو حاصل فعلًا اليوم، فأغلب الأنظمة الحاكمة في الشعوب الإسلامية سخَّرت مواردَ وإمكاناتِ هذه الشعوب لمصلحة عدوِّ الأمة، الذي استخدم ثرواتِها وأراضيَها لضرب الشعوب الحية المجاهدة والمقاومة للظلم والاستكبار.
ولا تجد تلك الأنظمة حرجًا في استعبادها من جانب عدو الأمة، وتنفيذ مخططاته وأهدافه ضد الشعوب الحية المقاومة للهجمة الاستعمارية الغربية الظالمة، وهذه الأنظمة على أتم الاستعداد لقتال شعوب الأمة؛ تنفيذًا لأجندات وأهداف ومخططات أعدائها، لكنها ليست على استعداد مطلقًا للقتال نصرةً للمظلومين والمستضعفين والمعتدى عليهم من أبناء الأمة، وكأن هذه الأنظمة الفاسدة العميلة المرتهنة لا تدرك الواجب الديني الوارد في قوله تعالى:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾.
وفي ظل هذا الواقع الذي تتصدره الأنظمة الثلاثة: المصري والتركي والباكستاني، تصبح التساؤلات مشروعةً عن مدى إمكانية استخدام ما تملكه من قوة عسكرية في مواجهة أعداء الأمة، وعن مدى انتماء هذه الأنظمة لدين الأمة، وعن مدى التزامها بتعاليمه، وعن مدى انطباق وصف النفاق على هذه الأنظمة، التي جعلت من أراضي شعوب الأمة التي تحكمها مجرد حضائر تسرح وتمرحُ فيها الوحشيةُ الصهيوأمريكية؛ استعدادًا للفتك بالمؤمنين المجاهدين والمستضعفين من أبناء الأمة.
ولعل الواقع قد أكَّد ويؤكِّدُ، وبما لا يدع مجالًا للشك، أن ما بحوزةِ هذه الأنظمة الثلاثة من قوة عسكرية لا يعدو أن يكونَ مخزونًا من مخزونات أعداء الأمة، تستخدمُه هذه الأنظمة نيابةً عن الأعداء وتنفيذًا لمخططاتهم وأهدافهم في تدمير وإبادة شعوب الأمة الإسلامية، وفي نهاية المطاف لن تَسْلَمَ هذه الأنظمة من ذات المصير وعلى يد مشغلها، ليس لعدم ثقته في ولائها، ولكن لخشيته من وقوع ما بأيدي هذه الأنظمة من أسلحة ومعدات في أيدي الأحرار من أبناء الأمة، فيوجِّهونها إلى رأس وصدر عدوِّها.
التعليقات مغلقة.