الأعراف القبلية في قضايا الدم.. نظرة متعمقة على “فروع الدم” و”بنادق الدفن” و”الهجيم”

صنعاء سيتي | تقرير| محسن علي

 

بينما تتجه الأنظار وتتحرك الأموال نحو مكاتب ودوائر الأنظمة القضائية الحديثة بحثا عن الإنصاف وطلب العدالة، تبرز في قلب اليمن منظومة عريقة من الأعراف القبلية التي لا تزال تشكل ركيزة أساسية في فض أخطر النزاعات: قضايا “الدم” من قتل وإصابة، وبعيداً عن أروقة المحاكم الحديثة، تتجلى آليات فريدة ومعقدة مثل “فروع الدم”، و”بنادق الدفن”، و”الهجيم”، لتنسج شبكة من العدالة التصالحية التي تهدف إلى الاعتراف بالذنب، وضمان الحقوق، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي، فكيف تعمل هذه الآليات العرفية على تحقيق العدالة والاعتراف بالذنب في أشد الجرائم خطورة؟

نكشف في هذه الجزء الـ31 من سلسلة قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن عن آليات فريدة تُعرف بـ”فروع الدم” و”بنادق الدفن”، و”الهجيم “وهي طروحات من السلاح الشخصي تفرض على الجاني كاعتراف بالذنب وضمان للحقوق، ونستعرض مفاهيمها وقواعدها المسنونة، وكيف تقدم نموذجا مميزا لحفظ السلم الأهلي في المجتمع القبلي وتسهم في حل النزاعات الدموية.

تُعد قضايا الدم من أخطر النزاعات التي تواجه المجتمعات، وقد طورت الأعراف القبلية أنظمة معقدة للتعامل معها، تهدف إلى تحقيق العدالة، والاعتراف بالذنب، وضمان حقوق الأطراف، وفي الوقت نفسه الحفاظ على النسيج الاجتماعي. تتجلى هذه الأنظمة في مفاهيم مثل “فروع الدم”، و”بنادق الدفن”، و”طروحات التحكيم”، وصولاً إلى “الهجيم” كآلية للمصالحة.

فروع الدم.. اعتراف بالذنب وتخفيف لعبء الإثبات

تُعرف “فروع الدم” بأنها طروحات من السلاح الشخصي، غالباً ما تكون من “سلاح العصر” (البنادق الحديثة)، تُقدم في حالات الجنايات التي تمس دم الإنسان، سواء كانت إصابة (كون) أو قتلاً، تُفرض هذه الطروحات على الطرف الجاني لصالح الطرف المجني عليه (ولي الدم).

تكمن الأهمية العرفية البالغة لبنادق فروع الدم في كونها تعبيراً صريحاً عن اعتراف الجاني بالجناية. وفي الوقت ذاته، تُعفي ولي الدم من عبء إثبات الجناية، مما يسرع من عملية فض النزاع، كما تُعتبر هذه البنادق من أقوى البراهين في العرف القبلي، ويتم بموجبها النقاء (التصالح) أو يُحكم في قضايا الدم، ومن الجدير بالذكر أنه بمجرد وقوع الاعتداء على دم الإنسان، سواء في حرب، أو فتنة، أو مشاجرة، أو زلة، أو ما شابه ذلك، فإن العرف يقضي بفرض بنادق فروع الدم مباشرة على الطرف الجاني، بغض النظر عن كون الشخص المفعول به أو المقتول مخطئاً أو متعدياً على الجاني؛ فلا يُعفى الجاني من وضع فروع الدم تحت أي مبرر كان.

العدد المحدد والمسنون في قواعد العرف القبلي لبنادق فروع الدم:

في حالة القتيل الواحد، تُفرض أربع بنادق من بنادق الوقت، تُسمى “فرع دم القتيل”

أما في حالة المصاب (المكوّن)، فتُفرض بندقتان من بنادق الوقت، تُسمى “فرع دم المصاب”، وذلك إذا كانت الإصابة بليغة.

وإذا كانت الأفعال أو الدحوش بسيطة، فيكفي فرض بندق واحدة.

بنادق الدفن.. ضمان لتكاليف الجنازة

تُعد “بنادق الدفن” أيضاً طروحات من السلاح الشخصي، تُقدم من الطرف الجاني لولي دم المجني عليه في قضايا القتل بأنواعها، والغرض الأساسي من هذه الطروحات هو ضمان تحمل الجاني لغرامات ومخاسر دفن القتيل، ووفقاً لقواعد التشريع العرفي القبلي، تُفرض بندقتان من بنادق الوقت في حالة القتيل الواحد، وتُسمى “بنادق دفن القتيل، تضمن هذه البنادق مساق ثور مع متبوعه النقدي، يُذبح لإعداد طعام لـ”نعاشة القتيل”، وهم الأشخاص الذين حضروا لحمل النعش وواجب القبر، بالإضافة إلى ذلك، تضمن هذه الطروحات تكاليف وخسائر الغسل، والكفن، والقبر، وهو الغرض العرفي من فرض بنادق الدفن.

طروحات التحكيم.. بديل للقصاص الشرعي

عند قبول التحكيم العرفي من ولي الدم في قضية قتل، فإن العرف يقضي بفرض اثنين وعشرين بندقاً من بنادق العصر في القتيل الواحد، تُسمى “حكماً أو تحكيماً في الدم”. وفي حالة وجود قتيلين، تُفرض أربعة وأربعون بندقاً، وتُعد هذه الفروضات حداً أساسياً أصلياً، وهي خارجة عن “فروع الدم” و”بنادق الدفن” التي تم وضعها مسبقاً، ويحق لولي الدم فرض “ثقل الحكم” بناءً على حجم الحكم.

وهنا يختلف التحكيم في الدم عن التحكيم في “العيب”؛ فالأخير تكون طروحاته بناءً على نوع العيب الثابت في القضية، وقد تصل في بعض قضايا العيوب إلى مائة بندق وبندق العيب، حيث تكون المائة بندق تحكيماً في العيب، والبندق المفردة هي بندق الاعتراف بجريمة العيب.

والقاعدة العرفية الثابتة في فرض طروحات أي تحكيم هي :(أن قيمتها يجب أن تساوي ضعف ثمن “مساق الحكم” لضمان التنفيذ) بمعنى، إذا كان مضمون الحكم يُقدر بمليون ريال، فتُفرض طروحات تبلغ قيمتها مليوني ريال.

الهجيم.. مسعى للمصالحة وطلب التحكيم

يُعرف “الهجيم” بوصول أقرباء الجاني، برفقة مجموعة من الواسطة (الوسطاء)، إلى باب بيت الغريم المجني عليه (ولي الدم)، بهدف الترجي والتطرح لقبول التحكيم العرفي في قضية قتل، وقبول التحكيم العرفي في دم القتيل يعني تنازل ولي الدم عن حقه في القصاص الشرعي، وقبوله بالعقوبة العرفية البديلة، وهي “مساق الديات” مع رد الاعتبار.

وفي قواعد التشريع العرفي القبلي، يتضمن “الهجيم” سوق ثور مبدأ من قبل “الهجامة” (الوفد الذي يقوم بالهجيم)، يُذبح ثور الهجيم عادة كـ”عقير” عند باب بيت ولي الدم فور وصول الهجامة، وبعد ذبح الثور، تقوم الواسطة بوضع “جهزها” وبنادقها بجانب العقير لاستعطاف ولي الدم، كما يقوم أقرباء الجاني بإحضار “نزائل”، ويضعون طروحات من السلاح أو السيارات، تُسمى “مقواد الحكم”

وقد يستغرق قبول “الهجيم” يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام، ويعتمد ذلك على استجابة ولي الدم ودور الواسطة، وفي حال قبول الهجيم، تقوم الواسطة بتنسيق الموقف وفقاً للإجراءات العرفية، والتي تبدأ بفرض قاعدة تحكيم لولي الدم من الجاني وأقاربه، وفرض بقية طروحات الحكم المسنونة؛ ويحق لولي الدم طلب “ضمين تنفيذي” للموقف والحكم من غريمه، وهو ما يُعرف بـ”مسنون الهجيم” في العرف القبلي.

ختاما

تؤكد هذه المنظومة العرفية المتكاملة في قضايا الدم أن العدالة لا تقتصر على الأطر القانونية الحديثة وحدها، ففي المجتمعات القبلية اليمنية، تقدم “فروع الدم” و”بنادق الدفن” و”الهجيم” نموذجاً حياً للعدالة التصالحية التي تتجاوز مجرد العقاب لتصل إلى رأب الصدع، وإعادة الاعتبار، وضمان استمرارية السلم الاجتماعي، وتقديم حلول عميقة الجذور للنزاعات الأكثر حساسية ، مجسدة بذلك الحكمة الإيمانية اليمنية الأًصيلة التي ميز بها رسول الله صلى الله عليه وآله الشعب اليمني في حديثه “الإيمان يمان والحكمة يمانية”.

*المرجع: قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن- روضان.

 

 

*نقلاً عن موقع يمانيون

التعليقات مغلقة.