الحصار بالحصار.. كيف يهدد الحظر البحري اليمني الاقتصاد السعودي؟
صنعاء سيتي | تقرير
دخلت معادلة “الحصار بالحصار” مرحلة التنفيذ مع إعلان القوات المسلحة اليمنية حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي، في تحولٍ يؤكد انتقال اليمن من سياسة الصبر الاستراتيجي إلى فرض معادلات ردع جديدة، بعد ما يقارب اثني عشر عاماً من الحصار والعدوان واستنفاد كل فرص السلام.
ويأتي القرار في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للسعودية، التي باتت تعتمد بصورة متزايدة على موانئ البحر الأحمر لتصدير نفطها وتجارتها، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة عبر باب المندب يحمل تداعيات اقتصادية مباشرة على أحد أهم شرايين الاقتصاد السعودي.
خلال الأشهر الماضية، اكتسب البحر الأحمر أهمية استثنائية بالنسبة للسعودية، خصوصاً بعد الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز، حيث تحولت موانئ الساحل الغربي، وفي مقدمتها ميناء ينبع، إلى المنفذ الرئيسي لصادرات النفط الخام والمنتجات البترولية.
وأظهرت بيانات نقلتها وكالة بلومبيرغ أن صادرات الخام من ميناء ينبع بلغت خلال يونيو الماضي مستوى قياسياً وصل إلى 4.19 ملايين برميل يومياً، بعد تحويل الجزء الأكبر من الصادرات السعودية إلى البحر الأحمر.
كما رفعت شركة أرامكو الضخ عبر خط أنابيب شرق – غرب إلى طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً، بهدف ضمان استمرار تدفق النفط إلى ميناء ينبع وتجاوز المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز.
ويعني ذلك أن الساحل الغربي السعودي لم يعد مجرد مسار بديل، بل أصبح أحد أهم المنافذ الاستراتيجية التي يعتمد عليها الاقتصاد السعودي في تصدير النفط إلى الأسواق العالمية.
ترى مؤسسات دولية متخصصة في تتبع حركة الشحن، من بينها شركة كبلر، أن أي اضطراب في الملاحة عبر باب المندب ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة صادرات النفط السعودية.
وتشير تقديرات الشركة إلى أن تعطيل المرور عبر المضيق سيجبر الناقلات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية على اتخاذ مسارات بحرية أطول عبر قناة السويس ثم الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يؤدي إلى مضاعفة زمن الرحلات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين واستهلاك الوقود.
كما أشارت تقديرات نقلتها وكالة رويترز إلى أن أي إغلاق كامل لباب المندب قد يؤدي إلى خفض إمدادات النفط العالمية بنحو 7%، في ظل اعتماد جزء كبير من صادرات النفط السعودية على هذا الممر البحري.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن العمليات اليمنية خلال المواجهات الماضية نجحت في تعطيل أكثر من 70% من حركة السفن المرتبطة بالأعداء عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، ما جعل هذا الممر البحري أحد أبرز ساحات الضغط في المواجهة.
ومع إعلان القوات المسلحة اليمنية حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي، تمتد تداعيات القرار إلى الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها ميناء جيزان وميناء الملك فهد الصناعي بينبع، الذي يمثل أحد أهم مراكز تصدير النفط الخام والمشتقات البترولية.
تشير تقديرات أسواق التأمين البحري إلى أن تصاعد المخاطر الأمنية قد يرفع تكاليف التأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية بنسب قد تتجاوز 300%، الأمر الذي يزيد كلفة النقل ويؤثر في حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
كما استحوذ ميناء جدة الإسلامي على 22.1% من واردات السعودية خلال عام 2025، فيما مر عبره 11.7% من الصادرات السعودية غير النفطية، ما يعكس أهمية موانئ البحر الأحمر للاقتصاد السعودي.. ويعني أي اضطراب في هذا المسار ارتفاع تكاليف الشحن وإطالة زمن وصول البضائع، وهو ما قد ينعكس على حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
القوات المسلحة اليمنية أكدت أن قرار حظر الملاحة البحرية جاء بعد سنوات طويلة من الحصار المفروض على اليمن براً وبحراً وجواً، وما رافقه من استهداف للمطارات والموانئ ونهب للثروات الوطنية، مؤكدة أن معادلة “الحصار بالحصار” تمثل حقاً مشروعاً في مواجهة الحصار المستمر.
وأوضح البيان أن القرار جاء استجابة للإرادة الشعبية التي عبرت عنها الحشود المليونية، مؤكداً أن استمرار الحصار سيقابله تصعيد مماثل، وأن القوات المسلحة تمتلك الجاهزية الكاملة للتعامل مع مختلف السيناريوهات.
تكشف التطورات الأخيرة أن معادلات المواجهة دخلت مرحلة مختلفة، لم يعد فيها الحصار المفروض على اليمن بلا كلفة على الطرف الذي يفرضه.
ومع تنامي اعتماد السعودية على موانئ البحر الأحمر لتصدير النفط وإدارة جزء كبير من تجارتها، تؤكد معادلة “الحصار بالحصار” أن زمن الحصار المجاني قد انتهى، وأن استمرار العدوان والحصار سيقابله ضغط متصاعد على المصالح الاقتصادية الحيوية للرياض، حتى رفع الحصار واستعادة الحقوق الوطنية وترسيخ السيادة والاستقلال.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.