صنعاء سيتي | متابعات
في تاريخ الشعب اليمني، باتت الأيام ليست مجرد أرقامٍ في التقويم، بل محطاتٍ مغلّفة بالحزن والذاكرة الحية. ويبرز يوم 28 يونيو كواحدٍ من أكثر الأيام دلالةً على استمرارية آلة الحرب، حيث يحمل في طياته سجلّاً تراكمياً من الجرائم التي امتدت لعقدٍ من الزمان، متجاوزةً حدود الزمان والمكان لتشمل معظم محافظات الجمهورية اليمنية، من صعدة شمالاً وحتى الحديدة وتعز جنوباً وغرباً.
مرحلة الاستهداف المكثف (2015 – 2017): تدمير المعالم والمجازر الجماعية
مع انطلاق شرارة الحرب في عام 2015، بدأت استراتيجية تدمير البنية التحتية والمنشآت التاريخية، حيث لم يتردد طيران العدوان في استهداف “سد مأرب القديم” ومزارع المواطنين، في محاولة لطمس معالم الحياة والرزق.
ومع حلول عام 2016، اتخذت الجرائم منحىً أكثر دموية، متجسدةً في مجزرة “سوق مفرق حيفان” بتعز، التي حصدت أرواح 26 مدنياً، تلتها في عام 2017 سلسلة من الغارات التي لم تسلم منها حتى القرى النائية والمديريات الحدودية في صعدة، مما أدى إلى سقوط أطفال ونساء وتدمير شامل لمقومات العيش البسيطة.
تصعيد الحديدة ومأرب (2018 – 2021): سياسة الأرض المحروقة
شهد عام 2018 ذروة التصعيد العسكري ضد محافظة الحديدة، حيث شهد يوم 28 يونيو وحده عشرات الغارات الجوية وقصفاً عنيفاً بالأباتشي، مما حول المزارع والقرى إلى مناطق منكوبة.
وفي عام 2019، تجددت الفجيعة في محافظة تعز، حيث أدى قصف منزلٍ بمديرية خدير إلى استشهاد عائلة كاملة من النساء والأطفال.
ولم يتوقف هذا النمط الدموي في عامي 2020 و2021، بل توسع ليشمل مديريات مأرب والجوف والبيضاء، حيث استُخدمت غارات الطيران بشكل مكثف لترهيب السكان، مما أدى إلى تهجير مئات العائلات وتدمير أحيائها السكنية وممتلكاتها الخاصة والعامة.
استمرار النزيف: من القصف المباشر إلى مخلفات الموت (2022 – 2024)
حتى مع فترات التهدئة، لم تتوقف الانتهاكات؛ ففي عام 2022، وثّقت التقارير استحداث تحصينات قتالية واستهدافات مباشرة بالقذائف والمدفعية لمنازل المواطنين في مختلف الجبهات.
ومع حلول عام 2024، تحولت المخلفات الحربية والأجسام المتفجرة -التي خلفتها سنوات القصف- إلى “قاتل خفي” يستهدف الأطفال والمدنيين الأبرياء في قرى الحديدة، إلى جانب استمرار الغارات التجسسية التي تواصل تهديد حياة المواطنين في مناطق متفرقة، وتحديداً في محافظة حجة.
دلالات السجل التاريخي للانتهاكات:
إن قراءة هذه المعطيات المتراكمة في يوم 28 يونيو تؤكد جملة من الحقائق التي لا يمكن تجاوزها:
-
الاستهداف المباشر للمدنيين: إن تكرار استهداف المنازل والأسواق في هذا التاريخ تحديداً يبرهن على غياب “الخطأ العسكري” وحضور “القصدية” في إيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية.
-
تدمير مقومات الحياة: لم تكتفِ آلة الحرب بالقتل، بل سعت لكسر إرادة المجتمع عبر تدمير السدود، والمزارع، وشبكات الطرق، ومصادر الرزق، لتحويل اليمن إلى بيئة طاردة للحياة.
-
إرث المخلفات الحربية: يظهر السجل أن جرائم الحرب لا تنتهي بوقف القصف، بل تستمر في حصد الأرواح عبر المخلفات المتفجرة التي تنتشر في القرى والمزارع، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية تجاه هذه التركة الدامية.
خاتمة: إن استحضار يوم 28 يونيو ليس مجرد رثاءٍ للماضي، بل هو صرخة في وجه الضمير العالمي، وتوثيقٌ حيٌّ لآلامِ شعبٍ رفض الانكسار.
فكل رقمٍ في هذا السجل يحمل قصة عائلةٍ فُجعت، ومنزلاً سُوي بالأرض، وحياةً كانت تزخر بالأمل قبل أن تطالها شظايا الغارات، ليظل هذا التاريخ شاهداً على أن المعاناة التي خُطّت بالدم لا تسقط بالتقادم، وأن ذكرى الضحايا هي الوقود الذي يبقي جذوة التمسك بالسيادة والحرية متقدة في صدور اليمنيين.
التعليقات مغلقة.