عاشوراء بين الذاكرة التاريخية والرسائل الاستراتيجية.. قراءة تحليلية في مضامين خطاب السيد القائد في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام
صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي
جاء خطاب السيد القائد بمناسبة ذكرى عاشوراء لهذا العام بوصفه خطاباً يتجاوز حدود الاستذكار التاريخي لواقعة كربلاء، ليتحول إلى إطار تفسيري شامل للواقع السياسي والفكري الذي تعيشه الأمة الإسلامية في الحاضر، عبر إسقاطات ومقاربات تربط بين ثنائية الحق والباطل التي جسدتها معركة كربلاء، وبين الصراعات والتحديات المعاصرة التي تشهدها المنطقة، وقد تميز الخطاب بحضور ثلاثة مستويات متداخلة، المستوى الديني والقيمي، والمستوى السياسي والاستراتيجي، والمستوى التعبوي والاجتماعي، بما يعكس رؤية تعتبر عاشوراء مشروعاً مستمراً في الوعي والسلوك والموقف، وليس مجرد مناسبة تاريخية أو شعائرية.
ركز الخطاب بصورة واضحة على إعادة تعريف واقعة كربلاء باعتبارها مواجهة بين مشروعين متناقضين، مشروع يمثل قيم العدل والحرية والكرامة والالتزام بالإسلام الأصيل، ومشروع يقوم على الاستبداد وتوظيف الدين لخدمة السلطة والمصالح السياسية، وفي هذا السياق قدم الإمام الحسين عليه السلام باعتباره رمزاً للموقف الأخلاقي الرافض للانحراف، بينما تم تصوير الحكم الأموي باعتباره نموذجاً للسلطة التي انحرفت عن مبادئ الإسلام وتحولت إلى أداة للهيمنة والاستئثار، وتعكس هذه القراءة محاولة لترسيخ مفهوم أن الصراع بين الحق والباطل ليس حدثاً تاريخياً انتهى بانتهاء كربلاء، بل هو حالة متجددة في كل عصر.
من أبرز الدلالات الفكرية في الخطاب التأكيد على أن الحياد أمام الظلم أو السكوت تجاه الانحراف يمثلان إشكالية أخلاقية ودينية كبرى، وقد استند السيد القائد حفظه الله إلى النصوص القرآنية والدروس المرتبطة بموقف الإمام الحسين عليه السلام لإبراز فكرة أن مقاومة الظلم ليست خياراً سياسياً فحسب، بل مسؤولية دينية وأخلاقية تقع على عاتق الأمة، وهنا يظهر البعد التربوي للخطاب، حيث سعى إلى تحويل واقعة كربلاء من مجرد مناسبة للبكاء والرثاء إلى مدرسة عملية في تحمل المسؤولية والقيام بالواجب.
يعد هذا البعد من أكثر الجوانب حضوراً في الخطاب، إذ تم الربط بصورة مباشرة بين وقائع التاريخ الإسلامي المبكر وبين التحديات السياسية الراهنة في المنطقة، فالخطاب قدم الصراعات الحالية باعتبارها امتداداً لصراع تاريخي بين مشروع الهيمنة والاستكبار من جهة، ومشروع التحرر والاستقلال من جهة أخرى، مستحضراً الرمزية الكربلائية في تفسير الأحداث الجارية، ويمثل هذا الربط أحد أهم الأدوات الخطابية المستخدمة في بناء الوعي الجمعي وتعزيز الشعور بالاستمرارية التاريخية للمواقف السياسية المعاصرة.
لم يكن الخطاب خطاباً تاريخياً صرفاً، بل حمل بعداً تعبويّاً واضحاً يستهدف تعزيز التماسك الداخلي وترسيخ الهوية الجمعية المرتبطة بالمشروع القرآني، ويتجلى ذلك في عدة رسائل أبرزها الدعوة إلى وحدة الصف الداخلي، والتأكيد على أهمية التماسك المجتمعي، وتشجيع المبادرات الاجتماعية والتكافل المجتمعي، وتعزيز حالة الجهوزية والاستعداد لمواجهة التحديات، وتكشف هذه المضامين عن إدراك واضح لأهمية الجبهة الداخلية باعتبارها أحد أهم عناصر القوة والاستمرار في ظروف الصراع الطويل.
احتوى الخطاب على جملة من الرسائل السياسية الموجهة إلى الأطراف الإقليمية والدولية، أهمها التأكيد على استمرار الموقف تجاه القضية الفلسطينية، حيث وضع السيد القائد القضية الفلسطينية في صدارة أولويات الأمة، مع التأكيد على استمرار الدعم والمساندة باعتبارها قضية مركزية لا تقبل المساومة أو التراجع، وكذا إبراز التنسيق داخل محور المقاومة، حيث حمل الخطاب إشارات واضحة إلى استمرار التنسيق السياسي والعسكري بين أطراف ما يعرف بمحور المقاومة، بما يعكس الرغبة في إظهار حالة من التماسك الإقليمي في مواجهة التحديات المشتركة، كذلك توجيه رسائل ردع استراتيجية، حيث تضمنت الكلمة رسائل ذات طبيعة ردعية مرتبطة بالتطورات الإقليمية المحتملة، بما يشير إلى اعتماد الخطاب على الجمع بين البعد الرمزي الديني والرسائل العسكرية والسياسية، والتركيز على البحر الأحمر والقرن الإفريقي حيث يشير تناول التطورات المرتبطة بالصومال وباب المندب وخليج عدن إلى تنامي الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة في الحسابات الأمنية الإقليمية، وإلى إدراك متزايد لارتباط الأمن البحري بالتوازنات الجيوسياسية في المنطقة، واليقظة للتحركات العدائية للعدو الإسرائيلي.
اعتمد الخطاب بصورة كبيرة على استحضار شخصية الإمام الحسين عليه السلام بوصفها رمزاً عالمياً للحرية والكرامة ورفض الخضوع للظلم، ويمثل هذا التوظيف للرمزية الحسينية أداة لإضفاء بعد أخلاقي وقيمي على المواقف السياسية المعاصرة، وربط الحاضر بالموروث الديني والتاريخي بما يعزز من حضور هذه القيم في الوعي الشعبي.
يمكن قراءة الخطاب باعتباره يستهدف تحقيق مجموعة من الأهداف المعنوية والسياسية، أبرزها تعزيز الهوية الإيمانية والثقافية للمجتمع، ورفع مستوى التعبئة المعنوية في ظل التحديات الراهنة، وترسيخ الارتباط الرمزي بين الماضي والحاضر، وتأكيد استمرارية المواقف السياسية المعلنة، وتعزيز الثقة بقدرة المجتمع على الصمود والاستمرار.
يعكس خطاب عاشوراء لهذا العام توجهاً يقوم على تحويل الذاكرة التاريخية إلى أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، من خلال إعادة قراءة واقعة كربلاء باعتبارها نموذجاً مستمراً للصراع بين قيم العدالة والحرية من جهة، والاستبداد والهيمنة من جهة أخرى، وبغض النظر عن التباينات السياسية أو الفكرية في قراءة مضامين الخطاب، فإنه يؤكد المكانة المركزية التي ما تزال تحتلها واقعة عاشوراء في تشكيل الوعي السياسي والثقافي لدى قطاعات واسعة من المجتمعات الإسلامية، بوصفها رمزاً متجدداً للتضحية والثبات والتمسك بالمبادئ في مواجهة التحديات.
*نقلاً عن موقع يمانيون
التعليقات مغلقة.