تسييس العمل الإنساني في اليمن.. حين تتحول المساعدات إلى أداة ضغط سياسي على حساب الأرواح

صنعاء سيتي | متابعات

تواجه المنظومة الصحية في اليمن تحديات وجودية تهدد بانهيار شامل، لا يرجع سببه إلى نقص في الإرادة الوطنية أو غياب الكوادر، بل إلى تحول المنظمات الدولية والجهات المانحة عن دورها الإنساني المحايد.

ولقد أصبحت المساعدات الإغاثية والطبية رهينة لأجندات سياسية وأمنية للدول المانحة، مما أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد وإيقاف النفقات التشغيلية للمرافق الصحية في توقيت هو الأكثر حرجاً للشعب اليمني.

التداعيات الميدانية: شلل القطاع الصحي

أكدت وزارة الصحة والبيئة في بيانها أن تسييس العمل الإنساني لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل انعكس في أرقام كارثية تشهد على تعطيل حياة الملايين:

  1. الكوادر البشرية: تم تعليق حوافز أكثر من 15 ألف عامل صحي، بالإضافة إلى 15 ألف متطوعة مجتمعية، مما أدى إلى هجرة الكفاءات الطبية وتوقف الخدمات في المناطق النائية.

  2. المرافق والخدمات: حُرم أكثر من 2200 مرفق صحي من النفقات التشغيلية الضرورية، وتوقفت اللقاحات والأدوية عن الوصول إلى الآلاف من المخيمات والعيادات المتنقلة، مما يمهد لانتشار أوبئة كان قد تم السيطرة عليها.

  3. المستلزمات الطبية والوقود: إن إيقاف دعم المستشفيات بالوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية وأجهزة التنفس يعني حكماً بالإعدام على مرضى العناية المركزة. يضاف إلى ذلك توقف مشاريع تأهيل المستشفيات (مثل مركز القلب بمستشفى الثورة بصنعاء وقسم الكلى بمستشفى الجمهوري بصعدة) التي تركت في حالة دمار بعد أن كانت على وشك الاكتمال.

  4. الأمن الغذائي والدوائي: تسبب تسييس الدعم في حرمان أكثر من مليون طفل من المواد التغذوية الوقائية والعلاجية، بالإضافة إلى توقف مراكز التغذية التي تنقذ حياة 30 ألف طفل سنوياً، وتوقف أدوية الأمراض المزمنة التي يعتمد عليها آلاف المرضى من أصحاب السكري والضغط والقلب.

الخسائر المالية: أين ذهبت ميزانيات الإنقاذ؟

تشير البيانات إلى أن هناك مبالغ طائلة تم تجميدها أو تعليقها لدوافع غير إنسانية، منها:

  • أكثر من 48 مليون دولار كانت مخصصة للأدوية والمستلزمات الطبية.

  • أكثر من 16.3 مليون دولار مخصصة للنفقات التشغيلية.

  • أكثر من 14.1 مليون دولار مخصصة لتجهيزات طبية حيوية، تم شراؤها فعلياً ولكن تم منع توزيعها.

كما تعتبر وزارة الصحة والبيئة أن هذا النهج يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان. فالمبادئ الإنسانية الأربعة التي تأسست عليها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية (الإنسانية، الحياد، الاستقلالية، وعدم التحيّز) قد تم استبدالها بآليات للابتزاز السياسي.

وتجميد المساعدات وربطها بالظروف السياسية يتناقض مع المواثيق الدولية، ويشكل انتهاكاً صارخاً لحق الإنسان في الحياة والصحة والغذاء والدواء، وهي حقوق مطلقة لا تقبل التجزئة أو التفاوض.

كما إن وزارة الصحة والبيئة، إذ تضع هذه الحقائق أمام العالم، فإنها تطلق نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية للقيام بما يلي:

  • الرفع الفوري للحصار: فتح الموانئ والمطارات دون قيد أو شرط أمام الإمدادات الطبية والعلاجية.

  • استعادة الحياد الإنساني: ضرورة الفصل التام بين العمل الإنساني والمسارات السياسية أو العسكرية، والعودة للالتزام بالمعايير الإنسانية الدولية.

  • الوفاء بالالتزامات: إعادة تمويل البرامج الصحية والتغذوية التي توقفت، والاستجابة السريعة لمخاطر الأوبئة المستجدة.

خلاصة القول: إن الشعب اليمني ليس مجرد رقم في تقارير المنظمات الدولية؛ فالحق في الحياة ليس منحة من أحد، بل هو واجب إنساني وقانوني.

إن استمرار تسييس الدواء واللقاح يعني أن المنظمات الدولية لم تعد طرفاً محايداً، بل أصبحت جزءاً من أدوات الحصار، وهو أمر لن يغفره التاريخ ولا الضمير الإنساني.

التعليقات مغلقة.