صنعاء سيتي | متابعات
يمثل الرابع والعشرون من يونيو (حزيران) في الذاكرة اليمنية الجماعية محطةً توثيقية حزينة، تتقاطع فيها خيوط المعاناة مع قسوة الجرائم التي ارتكبها تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي على مدى سنواتٍ ثمانٍ عجاف.
ففي هذا اليوم من كل عام، تعود إلى الأذهان سلسلة من الانتهاكات التي لم تفرق بين طفلٍ وشيخ، ولا بين منزلٍ آمنٍ ومرفقٍ حيوي، مشكّلةً سجلاً دامياً من الجرائم التي خلفت في كل مرة جراحاً غائرة في جسد الوطن.
استهداف الأعيان المدنية والرموز الاجتماعية: بدأت فصول هذه المأساة في عام 2015، حين حوّل طيران العدوان ليل مديرية ساقين بصعدة إلى ساحة للدمار، مستهدفاً منزل العلامة عبد الله الحميضة، ليسقط هو وأفراد أسرته في جريمةٍ تجسد استهداف الشخصيات الاعتبارية والمنازل الآمنة.
ولم تكن تلك حالة استثنائية، بل تكررت المأساة في استهداف الطفولة حين سقطت طفلة في الثانية عشرة من عمرها في حيدان، وتحولت مدارس كـ “مدرسة السلام” إلى ركام، في انتهاك صارخ لكل المواثيق الإنسانية والدولية التي تحرم استهداف المدارس والأحياء السكنية.
جحيم الغارات اليومية ودمار البنية التحتية: على مر السنين، تحولت المحافظات اليمنية إلى ميادين مفتوحة للغارات الجوية والقصف المدفعي. فمن مطار الحديدة الدولي الذي طالت نيرانه محطات التموين، إلى مزارع المواطنين في المحويت والجوف ومأرب، وصولاً إلى الأسواق الشعبية في مديرية شدا؛ كان الاستهداف ممنهجاً لشلّ حركة الحياة.
وقد شهدت محافظات صعدة، ومأرب، والبيضاء، والجووف، وعمران موجاتٍ عنيفة من الغارات التي وصلت في بعض الأيام إلى أكثر من 20 غارة في وقتٍ واحد، محولةً المزارع والمنازل والطرق العامة إلى أهداف عسكرية بحجةٍ واهية، تاركةً خلفها آلاف الأسر مشردةً تبحث عن مأوى وسط أنقاض ذكرياتها.
خطر الموت المؤجل (الألغام والقنابل العنقودية): لم تكن صواريخ الطائرات وحدها هي التي تحصد أرواح اليمنيين، بل تركت غارات العدوان وراءها إرثاً مميتاً من القنابل العنقودية والألغام التي تواصل حصد الأرواح في أوقات السلم والحرب على حدٍ سواء.
ففي مناطق عديدة، من مديرية رازح إلى مديرية الحوك، كان المدنيون -بمن فيهم الأطفال- يقعون ضحايا لهذه المخلفات التي لا تزال تهدد الحياة اليومية وتعيق عودة المواطنين إلى أراضيهم ومزارعهم.
الاستمرار في الحصار والتصعيد الميداني: تزامنت الغارات الجوية مع استمرار الخروقات الميدانية من قبل المرتزقة في جبهات الحديدة وتعز ونهم؛ حيث لم تتوقف القذائف المدفعية عن استهداف الأحياء السكنية في مدينة الحديدة والدريهمي والتحيتا، فضلاً عن استحداث التحصينات القتالية التي تهدف إلى إطالة أمد الصراع وتعقيد أي فرصة للسلام.
ولقد تحول القصف الصاروخي والمدفعي اليومي إلى جزء من روتين المعاناة الذي يعيشه المواطنون، حيث لا يكاد يمر يوم دون أن يطال الدمار ممتلكات عامة أو خاصة أو يسقط فيه ضحايا مدنيون بين شهيد وجريح.
الخاتمة: إن استعراض هذه الجرائم في مثل هذا اليوم من كل عام، ليس مجرد عملية رصد للأرقام والتواريخ، بل هو توثيقٌ لانتهاكاتٍ جسيمة لا يسقط حقها بالتقادم.
ففي كل غارةٍ وقذيفةٍ مرّت في الـ 24 من يونيو، حكاية ألمٍ يمنيّ، وصرخةُ حقٍ لا تزال تنتظر العدالة، لتعبر عن صمود شعبٍ أبيّ واجه أعتى ترسانات السلاح بدمائه ووعيه، مؤكداً أن التضحيات التي قُدّمت لن تضيع سدى، وأن التاريخ سيكتب بحروفٍ من نور حكايات الصمود التي كتبت فصولها دماء الشهداء وأنين الجرحى.
التعليقات مغلقة.