أجندة التدمير: المبادرة الخليجية كمؤامرة لتقويض العقيدة العسكرية وتدمير المؤسسة العسكرية واغتيال السيادة اليمنية

 صنعاء سيتي | تقرير خاص

 

لم تكن “المبادرة الخليجية” التي فُرضت على اليمن في عام 2011 مجرد مخرج سياسي، بل كانت في جوهرها “وثيقة انتداب” استراتيجية استهدفت العمود الفقري للدولة؛ المؤسسة العسكرية، حيث صُممت آليتها التنفيذية لتكون غطاءً دولياً لعملية “تجريد” شاملة لليمن من مكامن قوته الدفاعية تحت لافتة مضللة سُميت “الهيكلة”. إن هذا المسار لم يستهدف تنظيماً إدارياً، بل كان “فعل إخصاء” متعمد للقرار السيادي، حوّل وزارة الدفاع من حائط صد وطني إلى ملحق أمني يخضع لإملاءات “لجنة السفراء العشرة”، مما جعل المؤسسة العسكرية مكشوفة بنيوياً أمام الأطماع الخارجية، وهو المسار التدميري الذي لم يتوقف إلا بانطلاق ثورة 21 سبتمبر المباركة التي جاءت كضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى من كرامة الجيش اليمني.

إن الخطورة الوجودية لهذه المبادرة تجلت في تحويل الجيش من “حارس للحدود” إلى “أداة وظيفية” مشتتة المهام والولاءات؛ حيث نُزعت الصلاحيات من القيادات الوطنية وأُسندت إلى لجان مشتركة يديرها خبراء عسكريون أمريكيون وخليجيون في سابقة تاريخية وضعت الجيش تحت الوصاية المباشرة. هذه المرحلة (2012-2014) مثّلت ذروة الارتهان العسكري، حيث جرى تفخيخ المؤسسة الدفاعية بقرارات رئاسية “معلبة” استهدفت تفتيت الألوية النوعية وتدمير منظومات الردع، لضمان بقاء اليمن في حالة “عجز استراتيجي” دائم، وهو ما يفسر لماذا كانت ثورة 21 سبتمبر هي “زلزال السيادة” الذي اقتلع جذور هذه المؤامرة وأعاد للقرار العسكري اليمني استقلاله المسلوب.

*تدمير منظومات الردع (مذبحة الدفاع الجوي):

تمثل عملية تدمير منظومات الدفاع الجوي اليمنية “سام” (SAM) الشاهد الأكثر دموية وفجاجة على خيانة السيادة الوطنية تحت غطاء المبادرة الخليجية، فبموجب اتفاقيات سرية وقعتها “اللجنة العسكرية” مع “مكتب التعاون العسكري الأمريكي” (OMC)، بدأت عملية جمع الصواريخ الدفاعية من مختلف المعسكرات وتفجيرها في مناطق مفتوحة بإشراف فني أجنبي وتمويل خليجي. الشواهد التوثيقية تؤكد أن مئات الصواريخ جرى تصفيتها في مشهد لا يمكن وصفه إلا بـ “نزع المخالب” الممنهج، لضمان استباحة الأجواء اليمنية من قبل الطائرات المسيرة (الدرونز) الأمريكية، وهو المسار الذي عكسته ثورة 21 سبتمبر لاحقاً بتحويل اليمن من بلد يُدمر سلاحه الجوي إلى قوة إقليمية تصنع وتطور منظومات دفاعية وتردع الطيران الأجنبي.

وتشير الأرقام الميدانية الموثقة إلى أن هذه المذبحة التقنية طالت ما يقارب 1263 صاروخاً دفاعياً، بالإضافة إلى تدمير أجهزة الرادار ومنظومات التتبع والسيطرة، تحت مبررات دولية واهية ادعت “الخوف من وقوع السلاح في أيدي جماعات غير منضبطة”. غير أن الواقع التاريخي يثبت أن الهدف الجوهري كان “تحييد” الدفاع الجوي اليمني تماماً لصالح الهيمنة الجوية الخارجية، مما جعل اليمن مكشوفاً تماماً أمام أي تدخل عسكري خارجي، وهو ما جعل من ثورة 21 سبتمبر “فعل استرداد” تقني وعسكري أعاد بناء ما دمرته المبادرة الخليجية برؤية وطنية خالصة جعلت سماء اليمن محرماً على الغزاة.

علاوة على ذلك، امتدت المؤامرة لتعطيل الكفاءات الفنية والمهندسين في قوات الدفاع الجوي عبر استبعاد الكوادر الوطنية المؤهلة وإحلال قيادات موالية للسفارات، حيث سُمح للملحقين العسكريين الأجانب في صنعاء بالاطلاع على “شيفرات” المنظومات الدفاعية في ذروة التفريط بالأمن القومي. هذه الخطوة كانت “تمهيداً تقنياً” لضمان نجاح أي عدوان مستقبلي، حيث أُخرجت اليمن من معادلة “التوازن الردعي” قبل أن تبدأ أي مواجهة عسكرية فعلية. إن الربط التحليلي بين هذا التدمير وبين ما واجهه اليمن لاحقاً يكشف أن المروجين للمبادرة باعوا أمن الوطن مقابل وعود وهمية، لتبقى ثورة 21 سبتمبر هي الصرخة التي أوقفت هذا العبث وأعادت الاعتبار للمهندس والجندي اليمني.

إن تدمير الدفاع الجوي لم يكن قراراً عشوياً، بل كان مطلباً استخباراتياً دولياً نُفذ بأيدي مرتهنة تحت لافتة “المبادرة الخليجية”، حيث كشفت الوثائق أن العملية جرت بتمويل مباشر من دول الجوار التي كانت تخشى امتلاك اليمن لمنظومات دفاعية قادرة على حماية سيادته. وفضح هذا الدور التآمري يكشف أن المبادرة بدأت بنزع السلاح الدفاعي لتنتهي بفتح الأجواء أمام الغزو، مما يجعل من ثورة 21 سبتمبر نقطة التحول التاريخي التي نقلت اليمن من “مذبحة الدفاع الجوي” إلى “معادلة الردع السيادي” التي تفرضها القوات المسلحة اليمنية اليوم في كافة الميادين.

*تفتيت الوحدات النوعية عبر الشرعية التوافقية:

استخدمت المبادرة الخليجية ما يسمى بـ “الشرعية التوافقية” لضرب القوة الضاربة للجيش المتمثلة في قوات “الحرس الجمهوري” و”القوات الخاصة”، عبر القرارات الرئاسية (104) و(140) لعام 2012 التي قضت بتفتيت هذه الوحدات وتوزيع ألويتها على مناطق عسكرية مشتتة. هذا التفكيك الممنهج لم يهدف لإنهاء الازدواجية القيادية، بل استهدف القضاء على “القيادة والسيطرة المركزية” وتحويل الجيش إلى جزر معزولة يسهل اختراقها، وهو المخطط الذي أسقطته ثورة 21 سبتمبر حين أعادت دمج القوات المسلحة تحت قيادة وطنية موحدة تضع الدفاع عن اليمن فوق كل الاعتبارات الحزبية أو التوافقات الخارجية المذلة.

وبموازاة ذلك، طال “التجريف الإداري” الرتب العسكرية الرفيعة عبر تعيين قادة للألوية بناءً على المحاصصة الحزبية والمحسوبية السفارية، مما أدى لثلم الانضباط العسكري وإغراق الكشوفات بأسماء وهمية استنزفت الميزانية الدفاعية وأضعفت الجاهزية الفعلية. لقد كانت الهيكلة في جوهرها عملية “تسريح مقنع” للكوادر الوطنية، واستبدالها بقيادات خاضعة للولاءات الخارجية، مما حول الألوية العسكرية إلى “إقطاعيات حزبية” تفتقر للروح القتالية، وهو ما عالجته ثورة 21 سبتمبر جذرياً بتطهير المؤسسة العسكرية من عناصر الارتهان وإعادة الاعتبار للكفاءات الوطنية التي هُمشت خلال سنوات الهيكلة.

لقد أراد المروجون لهذه الهيكلة إنتاج “جيش ورقي” لا يمتلك الإرادة للقتال، حيث فُرضت المحاصصة في المناصب السيادية بنسبة (50/50) بين أطراف الصراع السياسي، مما نقل الصراعات الحزبية إلى قلب هيئة الأركان وجعل القرار العسكري رهينة لـ “الفيتو المتبادل” بين القادة الموالين للسفارات. هذا التفخيخ السياسي حوّل المؤسسة من حامية للوطن إلى حارسة للمصالح النخبوية، وهو ما قاد في النهاية إلى شلل تام في الأداء العسكري، لولا التدخل الثوري في 21 سبتمبر الذي كسر قيود التوافق المشتت وأعاد بناء الجيش على قاعدة “الولاء لله وللوطن” لا للسفارة أو الحزب.

*مسخ العقيدة القتالية من القتال إلى الحراسة:

تمثلت أخطر أدوات المؤامرة في محاولة “مسخ العقيدة القتالية” للجندي اليمني، وتحويلها من عقيدة دفاعية وطنية إلى وظيفة أمنية محصورة في “مكافحة الإرهاب” وحماية المنشآت التي تخدم القوى الدولية، وهي المحاولة التي اصطدمت بالوعي الثوري الذي كرسته ثورة 21 سبتمبر. فبإشراف الخبراء الأجانب، جرى تعديل المناهج التدريبية لتكريس هذا الدور “الوظيفي”، وتوجيه المساعدات لوحدات أمنية مرتبطة استخباراتياً بالخارج، بينما عانت ألوية الحدود من إهمال متعمد، بهدف إنتاج جندي ينفذ إملاءات الغرف المشتركة بدلاً من حماية السيادة الوطنية.

هذا التمييز الممنهج خلق فجوة في الهوية الوطنية للمقاتل اليمني، الذي أصبح يُدفع للشعور بأن قيمته تكمن في مدى تنفيذه للأجندات الدولية، وهو ما يفسر صمت الجيش “المهيكل” آنذاك أمام غارات الطائرات المسيرة الأمريكية، إذ أصبحت العقيدة العسكرية مجرد “بروتوكول” يمنع الرد أو التنديد. لكن ثورة 21 سبتمبر قلبت هذه الطاولة، وأعادت صياغة العقيدة القتالية للجندي اليمني لتكون قائمة على “الحرية والاستقلال”، محولةً المؤسسة العسكرية من جيش “حراسة المصالح” إلى جيش “انتزاع السيادة” ومواجهة قوى الغزو والاحتلال بكفاءة واقتدار.

إن مسخ العقيدة القتالية كان يهدف بالأساس لضمان عدم وجود أي مقاومة عسكرية لأي مشروع تقسيم قادم، حيث جرى استبدال العدو الخارجي بخصومات داخلية مفتعلة لتشتيت انتباه المقاتل. فبينما كانت التهديدات الخارجية تزداد، كانت برامج الهيكلة تركز على “حفظ النظام”، مما جرد الجيش من قيمته المعنوية كصمام أمان للوطن. غير أن النفس الثوري لـ 21 سبتمبر أعاد ضبط البوصلة، وجعل من الدفاع عن كرامة اليمني واستقلال قراره هو الركيزة الأساسية للعمل العسكري، مما أفشل مشروع المبادرة الخليجية في تجريف الهوية الوطنية للقوات المسلحة.

*الوصاية الميدانية واستلاب القرار العسكري:

شهدت فترة المبادرة الخليجية (2012-2014) استلاباً كاملاً للقرار العسكري اليمني لصالح “لجنة السفراء العشرة” (G10)، حيث كان السفراء والملحقون العسكريون يزورون القواعد الحساسة ويشرفون على الخرائط العملياتية في انتهاك صارخ للسيادة، وهو الواقع المذل الذي لم ينهه إلا الفعل الثوري الصامد في 21 سبتمبر. لقد كان “مكتب التعاون العسكري الأمريكي” (OMC) هو صاحب الكلمة العليا في مشتريات السلاح ونوعيته، مانعاً اليمن من اقتناء أي منظومات دفاعية متطورة، ومحولاً المؤسسة العسكرية إلى “محمية أمنية” تخضع لرقابة فرق أجنبية جابت المعسكرات تحت ذريعة إعادة التنظيم.

هذا الاستلاب وصل إلى حد التدخل في صياغة القوانين المنظمة للجيش لضمان مأسسة الارتهان، حيث تحول السفراء إلى “قادة مناطق” يديرون حركة القطاعات العسكرية من غرف عملياتهم الخاصة، وهو ما جعل الدولة اليمنية في حالة “احتياج دائم” للمظلة الخارجية. لقد كانت ثورة 21 سبتمبر هي الرد العملي الذي طرد خبراء الوصاية من وزارة الدفاع، وأغلق مكاتب التنسيق الاستخباري داخل القواعد العسكرية، معلنةً أن زمن “القيادة بالوكالة” قد انتهى إلى غير رجعة، وأن القرار العسكري اليمني يُصنع اليوم في صنعاء وبأيادٍ يمنية خالصة.

لقد فضحت المبادرة الخليجية حقيقتها كأداة استعمارية ناعمة استهدفت إخضاع القرار العسكري لإملاءات الرياض وواشنطن، حيث جرى تحويل الجيش إلى هيكل خاوٍ يُنفذ رغبات المانحين لا احتياجات الوطن. لكن المسار الثوري الذي انطلق في 21 سبتمبر لم يكتفِ بطرد الوصاية، بل شرع في إعادة بناء المؤسسة العسكرية من نقطة الصفر، مستلهماً قيم الحرية والاستقلال، وهو ما أدى لبروز القوات المسلحة اليمنية اليوم كقوة ضاربة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية، بعد أن تحررت من “أغلال الهيكلة” التي فُرضت بموجب المبادرة الخليجية.

*زلزال 21 سبتمبر واجتثاث الوصاية:

في المحصلة التاريخية، تظهر المبادرة الخليجية وما تلاها من عمليات “هيكلة” كأخطر عملية “هدم ناعم” للمؤسسة العسكرية، حيث نجحت في تحويل اليمن من دولة ذات قرار إلى ساحة وصاية تُدار عبر التوافقات الإقليمية. إن تفكيك الوحدات النوعية، وتدمير منظومات الردع الجوي، ومسخ العقيدة القتالية، لم تكن أخطاءً فنية، بل كانت خطة استراتيجية لإسقاط الدولة من الداخل وتحويلها إلى “محمية” بلا أنياب، مما جعل السيادة الوطنية هي الضحية الأولى لبروتوكولات الرياض وواشنطن التي لم تجلب لليمن سوى التمزق والارتهان وجعل المؤسسة العسكرية مجرد أداة عاجزة.

وهنا تبرز ثورة 21 سبتمبر المباركة كضرورة تاريخية وفعل استرداد سيادي حتمي، قطع أيادي الوصاية وأوقف نزيف الكرامة العسكرية، ليعيد بناء القوات المسلحة على أسس وطنية خالصة منحت اليمنيين كامل الحرية والاستقلال. إن التحول من زمن “تدمير الصواريخ” في 2012 إلى زمن “فرض معادلات الردع السيادية” وصناعة التقنيات العسكرية المتطورة في 2026، هو الثمرة الحقيقية لثورة 21 سبتمبر التي أعادت للمؤسسة العسكرية قيمتها وأهميتها ومكانتها، وأعلنت للعالم أن اليمن استعاد جيشه وقراره، وأن زمن “الهيكلة بالوكالة” قد دُفن تحت أقدام المقاتلين الأحرار.

التعليقات مغلقة.