المقدسات ورقة الرياض الأخيرة.. والتطبيع مع الكيان الصهيوني يكشف مفارقة الخطاب السعودي
صنعاء سيتي | تقرير
تتكامل أدوات الحرب النفسية والتضليل الديني في ترسانة تحالف العدوان كلما بلغت خياراته السياسية والعسكرية حائط المسدود؛ إذ يعكس استدعاء الأماكن المقدسة وافتعال مظلوميات عقائدية زائفة عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها نظام آل سعود، الذي يستشعر تآكل ثقله الإقليمي وفشل رهاناته على إخضاع الإرادة الوطنية الحرة لليمن.
إن الضخ الإعلامي المكثف حول مزاعم باطلة تدعي استهداف “محطة كهرباء المدينة المنورة” ليس سوى حلقة جديدة ضمن مسار تاريخي ممنهج خطّه هذا الكيان منذ تأسيسه، لتوظيف الدين الحنيف غطاءً لجرائمه وأداة لتثبيت مشاريعه الاستعمارية وحماية عروشه المتهاوية.
ويكشف التحليل الاستراتيجي لهذا التوقيت أن الرياض تسعى لتوظيف الخطاب المذهبي لحشد الشارع العربي والإسلامي خلف مظلة أمنية مشبوهة ترعاها واشنطن؛ فمع تزايد عزلة النظام السعودي وسقوط أوراقه الأخلاقية نتيجة ارتهانه لمسار التبعية وحماية الملاحة الصهيونية، يلوذ الحلف المعادي بقداسة الحرمين لتصوير صنعاء -التي تخوض معركة إسناد تاريخية لفلسطين- كمهدد للمقدسات، في محاولة يائسة لقلب الحقائق والهروب من استحقاقات الإخفاق الميداني والتغطية على ارتمائه العلني في أحضان المشروع الصهيوني.
يمثل بهتان استهداف “كهرباء المدينة المنورة” إعادة إنتاج فجة لأكذوبة أكتوبر 2016؛ حين استهدفت القوة الصاروخية مطار الملك عبد العزيز بجدة بصاروخ “بركان-1″، فسارع إعلام الرياض لادعاء استهداف مكة المكرمة في محاولة فاشلة لتدويل الأزمة عبر بيانات منظمة التعاون الإسلامي. تستند هذه الدعاية إلى إرث سعودي قديم في استغلال الأماكن المقدسة سياسياً، بدءاً من قمع انتفاضة الحرم المكي عام 1979 واستباحة باحاته بالدبابات وقوات الكوماندوز الأجنبية، وصولاً إلى استهداف التظاهرات والمناسك ومحاولة فرض الوصاية الخارجية على مقدرات الشعوب الحرة عبر شراء الولاءات واصطناع الفتن المذهبية.
وقد حسمت القيادة السياسية في صنعاء زيف هذه المزاعم؛ حيث أكد فخامة الرئيس المشير مهدي المشاط أن «لجوء النظام السعودي إلى استدعاء الأماكن المقدسة واختلاق الأباطيل ليس سوى دليل إفلاس وعجز كامل عن كسر إرادة الشعب اليمني أو فرض الوصاية الخارجية عليه»، مشدداً على أن استرخاص المشاعر الدينية وجعلها دريئة للهزائم العسكرية يفضح حجم التخبط الذي تعيشه غرفة عمليات العدوان بعد استنفاد بنك أهدافها، وانهيار لجان الوصاية السعودية كـ”اللجنة الخاصة” التي أحكمت قبضتها لعقود على القرار السيادي في اليمن قبل أن تُسقطها ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر.
وفي السياق الشرعي، فندت رابطة علماء اليمن هذا التضليل في بيان رسمي قاطع، مؤكدة أن هذا الأسلوب يكشف تجرداً مطلقاً من القيم الإسلامية من خلال «تسييس المشاعر الدينية وتوظيف الفتوى لصالح الباطل ومشاريعه الاستعمارية». وأشار البيان إلى أن تاريخ هذا النظام حافل باستباحة دماء المسلمين وجرائم الحصار والتجويع، متناسياً أن وعي الأمة قد تجاوز هذه الألاعيب الاستعطافية المفضوحة التي لم تعد تنطلي على أحد.
يمثل رمي اليمنيين بهذه الافتراءات طعنة غائرة في شرف انتمائهم الإيماني والعروبي الأصيل؛ فهذا الشعب هو ركيزة الأنصار الأولى التي حمت الإسلام ونصرت رسوله الأكرم وقادت فتوحاته الكبرى. إن هذا العداء التاريخي ضد اليمنيين يمتد جذرياً إلى مجزرة “تنومة وسدوان” عام 1920 (1338هـ)، حين أقدم جيش المؤسس عبد العزيز آل سعود على غدر أكثر من ثلاثة آلاف حاج يمني أعزل وذبحهم في طريق المناسك، في واقعة تؤكد أن استرخاص الدم اليمني والنيل من إيمانه ليس وليد اللحظة بل هو عقيدة متجذرة في هذا النظام.
إن المساس المتعمد بكرامة اليمنيين العقائدية أشد إيلاماً وقسوة في وجدان هذا الشعب من آلاف أطنان قنابل الموت الذكية التي ألقتها مقاتلات الـ(F-15) الأمريكية؛ حيث دمّر طيران العدوان مئات المساجد التاريخية كجامع الإمام الهادي في صعدة ومسجد شهارة الأثري، وارتكب أبشع المجازر في صالة العزاء الكبرى وحي عطان وسوق ضحيان. إن محاولة شيطنة الضحية وتجريدها من شرفها الإيماني بعد كل هذا القتل لن يُسقط شهادة الرسول الأعظم لليمن بأن “الإيمان يمان والحكمة يمانية”.
وعلى وقع هذا البهتان المستمر، أطلق مصدر عسكري مسؤول تحذيراً حاسماً أكد فيه أن القوات المسلحة اليمنية لن تقف مكتوفة الأيدي حيال هذه الاتهامات؛ مشدداً على أن «أي تمادٍ في استهداف الهوية الإيمانية لليمنيين واختلاق هذه الأكاذيب لن يبقى حبيس السجال الإعلامي، بل يضع بنك أهداف العدو الحيوية في مرمى الرد المشروع لردع هذا البهتان وتأديب صانعيه، فللجمهورية اليمنية كامل الحق واليد الطولى في انتزاع حقها وردع المعتدين».
-
شرف الهوية: الانتماء العقائدي لليمنيين ثابت تاريخي لا يقبل التشكيك أو المزايدة من قوى العدوان.
-
الردع الميداني: القوات المسلحة تضع الافتراء الممنهج كأحد محفزات توسيع دائرة الاستهداف المشروع.
-
سجل الإجرام: دماء حجاج تنومة وعشرات المساجد التاريخية المدمرة في اليمن تفند أكاذيب حماية المقدسات.
تجلت الازدواجية الفاضحة للنظام السعودي في الحادثة التي شهدها مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز في تبوك؛ حيث هبطت طائرة إماراتية تابعة لـ”فلاي دبي” متجهة إلى “تل أبيب” تحمل على متنها 174 راكباً معظمهم من المستوطنين الصهاينة، واستُقبلوا بتسهيلات استثنائية ونُقلوا إلى فنادق فاخرة بحراسة أمنية مشددة، في خطوة تمثل ترجمة عملية لمسار التطبيع الخفي والتواطؤ التاريخي القديم، والممتد من رسائل “جون فيلبي” ووثائق التنازل عن فلسطين لـ”المساكين اليهود”، وصولاً إلى فتح سماء بلاد الحرمين أمام طيران الاحتلال الصهيوني.
وتقف هذه الحفاوة بالصهاينة على طرفي نقيض مع الجريمة البشعة التي ارتكبها طيران العدوان السعودي في 28 أبريل 2015؛ حين قصف مدرج مطار صنعاء الدولي وأحرقه بالكامل لمنع هبوط طائرة إغاثية مدنية إيرانية تابعة للهلال الأحمر يقودها الكابتن بهزاد صداقت نيا، وكانت تحمل مساعدات طبية وجرحى يمنيين عالقين، ليتحول تدمير شريان الحياة الوحيد للملايين وسياسة الحظر الجوي القاتل إلى نهج انتقامي رسمي تمارسه الرياض ضد الشعب اليمني.
تضع هذه المقارنة الصارخة الرأي العام العربي والإسلامي أمام حقيقة واحدة تسقط كل أقنعة الزيف: الأجواء والمدرجات التي تُقصف بالصواريخ وتُغلق بالحديد والنار في وجه المرضى والمسافرين والمغتربين اليمنيين وتُحرم منها المساعدات الإنسانية، تُشرع أبوابها بالمجان ويُمنح الأمان المطلق لطائرات العدو ولقطعان المستوطنين ليعبروا أرض الجزيرة العربية آمنين مطمئنين برعاية وحراسة مشددة من أجهزة آل سعود.
يكشف المسار السعودي الراهن عن دور وظيفي استعماري لا ينفصل عن مسار تدمير معالم الإسلام الأولى؛ فمن هدم الآثار النبوية ومنازل الصحابة في مكة والمدينة وجرف مقبرة المعلاة ومقبرة البقيع عام 1925 (1344هـ) بحجج واهية، وصل النظام اليوم إلى تدشين “هيئة الترفيه” لإغراق بلاد الحرمين بمواسم الصخب والانحلال الأخلاقي؛ لتتزامن المهرجانات والحفلات الماجنة في الرياض مع مشاهد الإبادة الجماعية لأطفال غزة، في انفصال أخلاقي كامل عن قضايا الأمة ومقدساتها.
وتتكامل هذه المهازل مع تدجين المؤسسة الدينية الرسمية؛ حيث عكفت “هيئة كبار العلماء” ووعاظ السلاطين -كما أفتوا قديماً بجواز الاستعانة بالقوات الأمريكية في قاعدة “حفر الباطن” وقواعد نجد والحجاز عام 1990- على تفصيل فتاوى تحرّم مقاطعة البضائع الإسرائيلية وتجرّم التظاهر نصرة للقدس وغزة بدعوى “درء الفتنة”، بينما تصمت هذه الهيئات عن تدنيس المسجد الأقصى وتستنفر خطباءها لمباركة التطبيع والتباكي الكاذب على منشآت وهمية في المدينة المنورة لجلب الرضا الأمريكي.
-
طمس الهوية: جرف الآثار الإسلامية والبقيع تاريخياً مهد لمواسم المجون وتغييب الوعي الجمعي للأمة.
-
فتاوى الطلب: توظيف الفتوى لشرعنة التدخلات الأجنبية في المنطقة وحماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
-
تسييس المشاعر: تحويل مناسك الحج من مؤتمر إسلامي جامع للوحدة إلى مصيدة أمنية وأداة ابتزاز سياسي.
لم تعد أكاذيب الرياض قادرة على ترميم صورتها المشوهة في وجدان الأمة، فقد احترقت أوراق التوت الدينية والسياسية دفعة واحدة تحت أقدام التحولات الاستراتيجية الكبرى التي فرضتها معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس”؛ فالأمة التي تشاهد صواريخ اليمن الباليستية ومسيراته تدك عمق كيان الاحتلال في “يافا” و”أم الرشراش” إسناداً للمقاومة الفلسطينية، باتت تميز بوعي قاطع بين الحامي الحقيقي لشرف المقدسات وقضايا المستضعفين، وبين الحارس الذليل لقوافل التطبيع والمنخرط في حلف الدفاع عن الكيان الصهيوني.
إن بهتان “كهرباء المدينة” لن يكون إلا دليلاً إضافياً على خواء الرواية السعودية؛ فالشعب اليمني وقواته المسلحة التي أسقطت الهيمنة الأجنبية ومرغت أنوف تحالف العدوان في الميدان لن تسمح لغرف التزييف بالنيل من شرف انتمائها الإيماني. والرد اليماني العملي سيبقى الصخرة التي تتحطم عليها مؤامرات الوصاية، ورسالة حاسمة بأن من استباح دماء الأمة وباع مقدساتها لا يملك أي شرعية للحديث باسم الإسلام، وأن زمن التضليل الديني قد شارف على نهايته المحتومة.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.