باب المندب : القلق الإسرائيلي يتصاعد .. والرياض أمام مأزق بحري ونفطي
صنعاء سيتي | تقرير
تكشف التغطية الإسرائيلية المكثفة للتطورات الأخيرة على الساحل الغربي اليمني حجم القلق الذي أحدثه وصول القوات المسلحة اليمنية إلى المخا وذُباب وجزيرة ميون.
هذه المواقع تضع اليمن مباشرة عند باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة، وتمنح صنعاء حضورًا جغرافيًا وعسكريًا أقرب إلى خطوط الملاحة التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
موقع «واللا» العبري وصف وصول قوات صنعاء إلى المخا بأنه «مأزق جديد للسعودية»، مشيرًا إلى أن قرب مدينة المخا من باب المندب يقلص المسافة أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة ويزيد القدرة على التأثير في حركة السفن. ولفت الموقع إلى أن ارتفاع مستوى المخاطر وحده يرفع أقساط التأمين ويدفع بعض شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح.
هذا القلق ظهر بصورة أوضح في موقع «ماكو»الصهيوني الذي ربط السيطرة على جزيرة ميون بزيادة قدرة القوات اليمنية على مراقبة السفن العابرة والتأثير في حركتها. ونقل الموقع عن مسؤول إسرائيلي قوله إن القوات الموجودة على الجزيرة والساحل تستطيع رؤية السفن بالعين، وإن قربها من الممر يفتح أمامها خيارات تشمل الأسلحة قصيرة المدى والزوارق الهجومية إلى جانب الصواريخ والمسيّرات.
هنا تتضح قيمة ميون بالنسبة إلى صنعاء. الجزيرة تقع في قلب باب المندب، والسيطرة عليها إلى جانب ذُباب والمخا تضيف الموقع الجغرافي إلى القدرات الصاروخية والمسيّرة والبحرية التي راكمها الجيش اليمني خلال سنوات المواجهة.
القرب من الممر يمنح عمليات المراقبة والضغط قيمة أكبر، ويجعل التحرك البحري المعادي أكثر ارتباطًا بالحسابات الميدانية على الساحل نفسه.
صحيفة «معاريف» قرأت التطورات من زاوية عسكرية، واعتبرت السيطرة على المخا وميون إنجازًا واضحًا لصنعاء، وربطت ما جرى بضعف عملياتي لدى السعودية والقوى المتحالفة معها. كما أشارت إلى قدرة القوات اليمنية على توزيع الضغط بين الجبهات البرية والصواريخ والمسيّرات والساحل، وهو ما منحها مساحة حركة أوسع من خصومها.
بالنسبة إلى إسرائيل، يحمل هذا التحول حساسية إضافية لأن باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للطريق البحري المؤدي إلى إيلات. ومع تعزز الوجود اليمني على الساحل والجزر المحيطة بالمضيق، أصبحت حركة السفن المرتبطة بالكيان أكثر ارتباطًا بما يجري على الضفة اليمنية.
وهذا ما يفسر تركيز «جيروزاليم بوست» والقناة 12 و«معاريف» على تطورات باب المندب، كما يفسر عودة الاهتمام الإسرائيلي بالضفة الأفريقية المقابلة لليمن. فقد تناولت تقارير إسرائيلية سابقة أهمية أرض الصومال وميناء بربرة وإريتريا بالنسبة لها وهي حسابات تكتسب وزنًا أكبر مع توسع حضور صنعاء على الساحل الغربي
القلق وصل أيضًا إلى مستوى الحديث عن تدخل إسرائيلي محتمل حيث أبدى بنيامين نتنياهو استعداد إسرائيل للمشاركة في عمليات ضد الحوثيين والمساهمة في استعادة السيطرة على باب المندب إذا تلقت طلبًا رسميًا من التحالف العربي والحكومة اليمنية الموالية للسعودية. طرح هذا الخيار يكشف مقدار الحساسية التي باتت تل أبيب تمنحها لما يجري عند المضيق.
وفي الجانب السعودي، تتصل الأزمة مباشرة بأمن الطاقة. المملكة استثمرت لعقود في خط «شرق–غرب» لنقل النفط من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بهدف توفير مسار بديل عند اضطراب مضيق هرمز. ومع ارتفاع المخاطر في هرمز ازدادت أهمية ينبع، وأصبح البحر الأحمر جزءًا أكبر من منظومة التصدير السعودية.
المشكلة أن الناقلات الخارجة من ينبع نحو الأسواق الآسيوية تحتاج إلى المرور جنوبًا عبر باب المندب. وهنا تتحول المخا وذُباب وميون إلى ورقة ضغط مباشرة على الرياض، لأن الطريق الذي صُمم لتقليل الاعتماد على هرمز أصبح مرتبطًا بمضيق يتعاظم فيه نفوذ خصمها اليمني.
وزاد الضغط بعد تعرض خط «شرق–غرب» نفسه لهجوم بطائرات مسيّرة
وبالتزامن مع تصاعد المخاطر حول المخرج البحري نفسه.ففي الأيام الأخيرة تعرضت مناطق ومنشآت في جنوب السعودية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، شملت جازان وأبها وخميس مشيط ومواقع مرتبطة بالطاقة
كما أعلنت القوات المسلحة اليمنية أن حركة الملاحة ستظل آمنة أمام السفن والشركات خارج نطاق الحظر المفروض على الملاحة السعودية، ما يمنح الوجود الميداني على الساحل والجزر بعدًا عمليًا مباشرًا. فالحظر بات مرتبطًا بموقع جغرافي يتيح لصنعاء تأثيرًا أكبر على الطريق الذي تستخدمه الناقلات السعودية.
هذا الوضع دفع ولي العهد محمد بن سلمان، وفق تقارير أمريكية وإسرائيلية، إلى طلب تدخل أمريكي ضد الحوثيين. الرئيس دونالد ترامب رفض تنفيذ ضربات مباشرة، واختارت واشنطن تقديم المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف.
الموقف الأمريكي وضع الرياض أمام معادلة صعبة. بعد سنوات من الحرب والإنفاق العسكري ودعم تشكيلات يمنية متعددة، أصبحت المملكة بحاجة إلى مساعدة خارجية لوقف تقدم قوات صنعاء نحو واحد من أهم الممرات المرتبطة بصادراتها النفطية. وفي الوقت نفسه ظهر الحديث الإسرائيلي عن استعداد محتمل للمشاركة إذا جاء طلب رسمي.
التغطية الإسرائيلية كشفت كذلك ارتباكًا داخل القوى المناهضة لصنعاء. موقع «واي نت» نقل عن مسؤولين في الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية حديثًا عن طلب غطاء جوي خلال معركة المخا وعن دعم قيل إنه سيصل ثم غاب في لحظة الحسم. هذا التشتت بين القوى المحلية ورعاتها منح صنعاء فرصة للتحرك نحو المنطقة الأعلى قيمة من الناحية الاستراتيجية.
ومن هنا تأتي أهمية التطورات الأخيرة. السيطرة على المخا وذُباب وميون منحت اليمن حضورًا مباشرًا عند الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وجعلت الملاحة والطاقة جزءًا من حسابات أي تصعيد مقبل.
بالنسبة إلى تل أبيب، يعني ذلك ارتفاع حساسية الطريق المؤدي إلى إيلات. وبالنسبة إلى الرياض، يعني ارتباط جزء أكبر من أمن صادراتها النفطية بما يجري عند باب المندب. أما صنعاء، فقد خرجت من التطورات الأخيرة بورقة جغرافية وعسكرية ثقيلة، ترفع كلفة المواجهة وتفرض اليمن لاعبًا حاضرًا في معادلة البحر الأحمر.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.